نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار(ص) - شُرَّاب، محمد حسن - الصفحة ٣١٨ - فصل في ذكر ولاية العهد من المأمون للرضا
المسلمين في الخلافة و نظامها و القيام بشرائعها و أحكامها، و لم يزل أمير المؤمنين منذ أفضت إليه الخلافة و حمل مشاقها و خبر مرارة طعمها و ذاقها مسهرا لعينيه منصبا لبدنه مطيلا لفكره فيما فيه عز الدين و قمع المشركين و صلاح الأمة و جمع الكلمة و نشر العدل و إقامة الكتاب و السنة و منعه ذلك من الخفض و الدعة و مهنأ العيش محبة أن يلقى اللّه سبحانه و تعالى مناصحا له في دينه و عباده و مختارا لولاية عهده و رعاية الأمة من بعده أفضل من يقدر عليه في دينه و ورعه و أرجاهم للقيام في أمر اللّه و حقه مناجيا للّه تعالى بالاستخارة في ذلك و مسألته إلهامه ما فيه رضاه و طاعته في آناء ليله و نهاره معملا فكره و نظره في طلبه و التماسه في أهل بيته من ولد عبد اللّه ابن العباس و علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم) مقتصرا ممن علم حاله و مذهبه منهم على علمه و بالغا في المسألة ممن خفي عليه أمره جهده و طاقته حتى استقصى أمورهم معرفة و ابتلى أخبارهم مشاهدة و استبرأ أحوالهم معاينة و كشف ما عندهم مساءلة و كانت خيرته بعد استخارة اللّه تعالى و إجهاده نفسه في قضاء حقه في عباده و بلاده في الفئتين جميعا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم) لما رأى من فضله البارع و علمه الذائع و ورعه الظاهر الشائع و زهده الخالص النافع و تخليه عن الدنيا و تفرده عن الناس و قد استبان له من لم تزل الأخبار عليه منطبقة و الألسنة عليه متفقة و الكلمة فيه جامعة و الأخبار واسعة و لما لم يزل يعرف به من الفضل يافعا و ناشئا و حدثا و كهلا فلذلك عقد له بالعهد و الخلافة من بعده واثقا بخيرة اللّه في ذلك إذ علم اللّه تعالى أنه فعله إيثارا له و للدين و نظرا للاسلام و المسلمين و طلبا للسلامة و ثبات الحجة و النجاة في اليوم الذي تقوم فيه الناس لرب العالمين و دعا أمير المؤمنين ولده و أهل بيته و خاصته و قواده و خدمه فبايعه الكل مطيعين مسارعين عالمين بايثار أمير المؤمنين طاعة اللّه على الهوى في ولده و غيره ممن هو أشبك رحما و أقرب قرابة و سماه الرضا إذ كان مرضيا عند اللّه تعالى و عند الناس و قد آثر طاعة اللّه تعالى و النظر لنفسه و للمسلمين و الحمد للّه رب العالمين كتبه بيده في يوم الاثنين لسبع خلون من شهر رمضان المعظم سنة إحدى و مائتين (و صورة ما على ظهر العهد)