استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٤٦٠ - نقد تمحّلات القوم في معنى الحديث
الأرجاني قال :
صحبت أبا عبد الله عليه السلام في طريق مكة إلى المدينة ، فنزلنا منزلاً يقال له عسفان ، ثم مررنا بجبل أسود عن يسار الطريق موحش ، فقلت له :
يا ابن رسول الله ، ما أوحش هذا الجبل ! ما رأيت في الطريق مثل هذا .
فقال لي : يا ابن بكير ، أتدري أيّ جبل هذا ؟
قلت : لا .
قال : هذا جبل يقال له الكمد ، وهو على واد من أودية جهنم ، وفية قتلة أبي الحسين ، استودعهم فيه ، تجري من تحتهم حياة جهنم من الغسلين والصديد والحميم ، وما يخرج من جب الجوى ، وما يخرج من الفلق ، وما يخرج من اثام ، وما يخرج من طينة الخبال ، وما يخرج من جهنم ، وما يخرج من لظى ومن الحطمة ، وما يخرج من سقر ، وما يخرج من الحميم ، وما يخرج من الهاوية ، وما يخرج من السعير .
وما مررت بهذا الجبل في سفري فوقفت به إلاّ رأيتهما يستغيثان إليّ ، وإني لأنظر إلى قتلة أبي وأقول لهما : هؤلاء فعلوا ما أسّستما ، لم ترحمونا إذ ولّيتم ، وقتلتمونا وحرمتمونا ، ووثبتم على حقّنا ، واستبددتم بالأمر دوننا ، فلا رحم الله من يرحمكما ، ذوقا وبال ما قدّمتما ، وما الله بظلاّم للعبيد ، وأشدهما تضرّعاً واستكانة الثاني ، فربما وقفت عليهما ليتسلّى عني بعض ما في قلبي ، وربما طويت الجبل الذي هما فيه ، وهو جبل الكمد .
قال : قلت له : جعلت فداك ، فإذا طويت الجبل فما تسمع ؟
قال : أسمع أصواتهما يناديان : عرّج علينا نكلّمك فإنا نتوب ، وأسمع من الجبل صارخاً يصرخ بي : أجبهما ، وقل لهما : ( اخسؤوا فيها و لا تكلّمون ) .