استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٣٤٢ - كلام ابن دحية في ذمّ القياس
فاعجبوا - رحمكم الله - لهذا الكلام المخالف لسيّد الأنام ، ثبت باتفاق في الصحيحين من حديث علقمة بن وائل عن أبيه قال : جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، فقال الحضرمي : يا رسول الله ! إنّ هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي ، فقال الكندي : هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حقّ . فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم للحضرمي : ألك بيّنة ؟ قال : لا . قال : فلك يمينه . قال : يا رسول الله ! إنّ الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورّع من شيء . فقال : ليس لك منه إلاّ ذلك ، الحديث بطوله .
وفي حديث منصور عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود ، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إنّه قال : شاهداك أو يمينه .
مقتضى هذا الحديث الصحيح يدلّ دلالة ظاهرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سمع هذه الدعوى ولم يشترط على المدّعي فيها شرطاً ، ولو أنّ مدّعياً في هذا العصر حضر إلى قاض من مقلّدي المذاهب ، وأمره على أن لا يدّعي إلاّ هكذا ، لأخرج من بين يديه وقيل له حرّر دعواك : أين موضع هذه الأرض ؟ وكم مساحتها طولاً وعرضاً ؟ مع ما يشترطون من الشرائط ، أترى الشارع صلّى الله عليه وسلّم تسامح في الأحكام أم وكّل الخلق بعده إلى من ينقّح شرعه من الأنام ؟
وهذه واحدة ينبغي لذوي العقول أن يعلموا منها أنّ كلّ أحد يؤثر أن يسمع ما يقول ولا يردّ حوادث الفروع إلى الأصول .
وأخرى : أنّه صلّى الله عليه وسلّم لم يقل : هل بينكما خلطة أو معاشرة ، أم أنت من البادية وهو من الحاضرة .