استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٣٢٣ - كلام الفخر الرازي في ذمّ القياس
الكلّ خير من الذي أقصى درجاته أن لا يكون مذموماً .
وثانيها : أنّ الحديث أصل والرأي فرع ، والأصل خير من الفرع . وأيضاً الحديث بمنزلة الماء في الطهارات والرأي بمنزلة التراب ، فكما كان الماء مقدّماً على التراب في طهوريّة الظواهر ، كان الحديث مقدّماً على الرأي في طهوريّة البواطن ، ومثل من قدّم الرأي على الحديث كمثل من قدّم التراب على الماء .
وثالثها : قال بعض العلماء : الماء نوعان : ما نزل من السماء وما نبع من الأرض ; فالماء النازل من السماء يكون في طعم واحد من اللذّة والطيب ، وعلى لون واحد من الصفاء والنقاء ، وجوهر واحد في الطهارة والنظافة ، فكذا العلم النازل من السماء يكون طاهراً نقيّاً عن شوائب الشبهات وممازجة الكدورات والظلمات ، وأمّا الذي نبع من الأرض فإنّه يختلف لونه وطعمه ورائحته وطبعه بحسب اختلاف المعادن ، تارة يكون طيّباً وتارة يكون منتناً ، وتارة يكون لطيفاً وأخرى يكون كثيفاً ، وكذا العلم الذي يظهر من القياس والرأي ، تارة يكون فاسداً باطلاً وتارة يكون نافعاً ، لكن كيف كان ، فإنّ النفع فيه قليل » .
وكان غرض الرازي من كلّ ذلك ذم الحنفيّة وتقديم الشافعيّة ، لأنّه قد قال من قبل :
« إعلم أنّ أتباع الشافعي ملقّبون عند جمهور الخلف بأنّهم أصحاب الحديث ، وأتباع أبي حنيفة ملقّبون عند جمهور الخلف بأنّهم أصحاب الرأي ، وذلك يوجب رجحان مذهب الشافعي .
بيان المقام الأوّل من وجوه ، الأوّل : إنّ جميع الفرق لو حضروا في