استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٢٣٢ - الغزالي وأبو حنيفة
« الباب الثاني : في ترجيح بعض الأقيسة المتعارضة على البعض ، وممّا لابدّ من تقديمه على الخوض في ترجيح المقاييس ، فصل ذكره القاضي في ترتيب النظر في قواعد الأقيسة ، فقال : النظر فيها ينقسم إلى ما لا يتفاوت في نفسه وإلى المتفاوت في نفسه وإلى المتفاوت ; وعنى بالمتفاوت ما يتفاوت فيه نظر النظّار ويتعارض فيه الخواطر . قال : والنظر الذي لا يتفاوت ينقسم إلى ما يقع في مرتبة البديهي ، كعلمنا أنّ المخنق والقتال بالمثقل عامد للقتل ، ومن أضمر خلافه يُسَفَّهُ في عقله ، وإلى ما يقع في مرتبة النظري ، كعلمنا بوجوب القصاص عليه ، فإنّ من علم مقصود الشارع من القصاص في الحقن والعصمة استبان بأدنى نظر على القطع إيجاب القصاص ، ولا ينبغي أن يتمارى فيه ، وكذلك علمنا بأنّ العقوبات الرادعة عن الفواحش شُرِعت زجراً عنها ، وإذا تجمّعت أسبابها من ارتكاب الفاحشة مع تمحّض التحريم ومسيس الحاجة إلى الزجر فلابدّ منه ، كعلمنا بأنّ العدول إذا شهدوا على الزنا فلا يسقط الحدّ بقول المشهود عليه : صدقوا ، كما قاله أبو حنيفة ، وكعلمنا بأنّ الحدّ لا يتعلّق إلاّ بفاحشة ، ولكن الشرع تولّى بيانه فإنّا لا ندركه بأفهامنا ، وقد خصّصها بتغييب الحشفة واستثنى مقدّماته من معانقة وتقبيل ومماسّة منها ، وعلمنا بأنّ أقلّ مراتب موجب العقوبة أن يتمحّض تحريمه ، فالوطىء بالشبهة لا يوجب الحدّ ، وإشارته إلى الذي صادف امرأة على فراشه ظنّها حليلته القديمة .
قال : فهذه جهة لا يتفاوت فيها نظر العقلاء ، ولا اكتراث بمخالفة أبي حنيفة ، فإنّي أقطع بخطائه في تسعة أعشار مذاهبه التي خالف فيها خصومه ، فإنّه أتى فيها بالزلل في قواعد أصوليّة يترقّى القول فيها عن مظانّ الظنون ، كتقديمه القياس على الخبر ورجوعه إلى الاستحسان الذي لا مستند له ،