استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ١٧٨ - تكلّم الشافعي فيه بسبب ردّه الأحاديث الصحيحة
سجدة في المفصّل ، ثمّ بين أنّ أكثر الفقهاء ذهبوا إلى أنّ في المفصّل سجوداً . ومنها : أنّ مالكاً زعم أنّ الناس أجمعوا على أنه لا سجدة في الحجّ إلاّ مرّةً واحدة ، وهو يروي عن عمر وابن عمر أنّهما سجدا في الحجّ سجدتين . ثمّ قال الشافعي : وليت شعري من هؤلاء المجمعون الذين لا يسمّون ، فإنّا لا نعرفهم ، ولا يكلّف الله أحداً أن يأخذ دينه عمّن لا يعرفه » [١] .
وقال أيضاً بعد كلام الشافعي في عكرمة : « ولقائل أن يقول : حاصل هذه الاعتراضات يرجع إلى أمرين :
الاعتراض الأوّل : أنّ مالكاً يروي الحديث ثمّ إنّه يترك العمل به لأجل أنّ أهل المدينة تركوا العمل به ، وهذا يقتضي تقديم عمل علماء المدينة على قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وإنّه لا يجوز .
ولمالك أن يجيب عنه فيقول : هذه الأحاديث ما وصلت إلينا إلاّ برواية علماء المدينة ، فهؤلاء إمّا أن يكونوا من العدول أو لا يكونوا من العدول ; فإن كانوا من العدول وجب أن يعتقدوا أنّهم إنما تركوا العمل بهذا الحديث لاطّلاعهم على ضعف فيه ، إمّا لأجل ضعف في الرواية أو لأجل أنّه وجد ناسخ أو مخصّص ، وعلى جميع التقديرات فترك العمل به واجب .
فإن قالوا : فلعلّهم اعتقدوا في هذا الحديث تأويلاً خاطئاً ، فلأجل ذلك التأويل الخاطىء تركوا العمل به ، وعلى هذا التقدير لا يلزم من تركهم العمل بالحديث حصول ضعف فيه . قلنا : إنّ علماء المدينة الذين كانوا قبل مالك كانوا أقرب الناس إلى زمان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وأشدّهم مخالطة للصحابة وأقواهم رغبة في الدين ، وأبعدهم عن الميل إلى الباطل ، فيبعد اتفاق
[١] مناقب الامام الشافعي : ٥٣ .