استخراج المرام من استقصاء الإفحام - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ١٧٦ - تكلّم أحمد بن حنبل فيه
والمراسيل وما وقع إليه من حديث بلده وإنْ كان ضعيفاً يترك القياس لأجله ، وما رفع إليه من أحاديث سائر البلاد وإنْ كان صحيحاً لم يقبله بل عدل إلى الاستحسان والقياس » .
ففي هذا النقل توهينٌ من أحمد بن حنبل لمالك بن أنس والأوزاعي وأبي حنيفة ، ومدح وتفضيلٌ للشافعي عليهم .
وأيضاً : فإنّ الفخر الرازي يرى أنّ تخطئة الشافعي في شيء إيذاء لله وللرسول ، إذ قال في الرسالة المذكورة في حجج ترجيح الشافعي على غيره من المجتهدين : « الحجّة السادسة : القول بأنّ قول الشافعي أخطأ في مسألة كذا ، إهانة للشافعي القرشي ، وإهانة قرشي غير جائز .
إنّما قلنا إنّ تخطئته إهانة ، لأنّ اختيار الخطأ إن كان للجهل ، فنسبة الجهل إلى الإنسان إهانة ، وإن كان مع العلم فإنّ مخالفة الحق مع العلم بكونه حقّاً من أعظم أنواع المعاصي ، وكانت نسبة الإنسان إليه إهانة له ، وإنّما قلنا إنّ إهانة القرشي غير جائزة ، لما روى الحافظ بإسناده عن سعد بن أبي وقّاص أنّه قال : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول : من يرد هوان قريش أهانه الله . وروى أيضاً بإسناده عن أبي هريرة : أنّ سبيعة بنت أبي لهب جاءت إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالت : يا رسول الله ، إنّ الناس يصيحون بي ويقولون إنّك ابنة حمّالة حطب النار ، فقام عليه السلام - وهو مغضب شديد الغضب - فقال : ما بال أقوام يؤذونني في قرابتي ، ألا من آذى قرابتي فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله كان ملعوناً لقوله تعالى : ( إنّ الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ) فإذن ظهر وجه الاستدلال ظهوراً لا يرتاب فيه عاقل .