شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٦٠ - المسألة الثانية
العاقلة قوة يمكن تعقلها لجميع الأشياء، فلا جرم صح عليها أن تدرك نفسها و ان تدرك ادراكها لغيرها، و أن تدرك آلتها. و أما القوة الباصرة.
فيمتنع تعقلها الا بالألوان و الأضواء، فلا جرم يمتنع تعقلها بنفسها و ادراكها و آلتها. و الحاصل: أن هذا الامتناع لا يعلل بفقدان الآلة، بل أن امتناع تعلق القوة الباصرة بهذه الأشياء، أمر ثابت لغير القوة الباصرة و نفسها، لا لعلة منفصلة، فما لم تثبتوا فساد هذا الاحتمال فانه لا يتم دليلكم.
الوجه الثاني: هب أن هذا الامتناع معلل بفقدان الآلة لكن هذا انما يدل على أن هذه القوى لا تصدر عنها آثارها الا بواسطة هذه الآلات. و هذا القدر لا يدل على أنها فى ذواتها جسمانية، لاحتمال أن يقال: انها فى ذواتها مجردة عن المواد، الا أن صدور أفعالها عنها لا يمكن إلا بواسطة هذه الآلات الجسمانية. و عند فقدانها يمتنع صدور الأفعال عنها.
قال الشيخ: «و يعرض لها: أنها ان انفعلت عن محسوس قوى، لم تحس بالضعيف أثره. لأنها انما تدرك بانفعال آلة. و اذا اشتد الانفعال ثبت الأثر، و اذا ثبت الأثر، لم يتم انتعاش [٢] غيره معه»
التفسير: هذه هى الحجة الثالثة على أن أفعال هذه القوى لا تتم الا بالأجسام. و تقريره: أنه لو وضع سراج فى مقابلة الشمس، فانه اذا نظر الانسان اليه فانه لا يراها. و عند سماع صوت الرعد، لا يسمع صوت البعوضة. و عند الاحساس بالنيران العظيمة لا يحس بالحرارة الضعيفة. و كل ذلك يدل على أن الاحساس بالمحسوسات القوية يمنع من الاحساس بالمحسوسات الضعيفة. ثم قال: و السبب فيه: أن الاحساس انما يكون بالانفعال و التأثر عن المحسوسات، فاذا قوى الاحساس قوى الانفعال، و اذا قوى الانفعال ثبت الأثر، و اذا ثبت الأثر لم يتم انتعاش غيره معه.
[٢] انتعاش: ع.