شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٢٠ - المسألة الثالثة
و اعلم: أن الكل محتمل. و لم يقم الدليل القاطع على أحد النقيضين. و الذي قيل فى بيان أنه يمتنع وجود حاسة سادسة- و هو أن الطبيعة لا تنتقل من درجة الى درجة أخرى، الا بعد استبقاء جميع الأقسام الممكنة- فهو كلام خطابى ضعيف. و اعلم: أن جماعة من العلماء قطعوا بحصول نوع سادس من الادراك، و هو القوة التي بها يحصل ادراك الألم و اللذة. و ذلك لأن تصور ماهية الألم و اللذة قد يكون حاصلا لمن لم يكن ملتذا و لا متألما. و هذا معلوم بالبديهة. فثبت:
أن تصور ماهية الألم و اللذة مغاير لادراك الألم و اللذة. و أيضا: فادراك الألم و اللذة ليس من جنس الابصار أو السماع أو الشم أو الذوق.
و ظاهر أيضا أنه ليس من جنس اللمس. و ذلك لأن الألم و اللذة ليستا من جنس الكيفيات الملموسة، بل قد تكون أسباب الألم و اللذة من جنس الكيفيات الملموسة، مثل مماسة النار، فانها مؤلة، الا أن مماسة النار، غير، و الألم المتولد من تلك المماسة غير. فاذا لمسنا النار و أدركنا بالقوة اللامسة تلك السخونة، فحينئذ يحدث الالم. فالألم يحدث من ذلك اللمس لا أنه نفس ذلك اللمس أنه قد حصل فى الادراكات الظاهره نوع آخر سوى هذه الحواس الخمس.
المسألة الثالثة
اعلم: أن كلام «الشيخ» فى حقيقة النفس الحيوانية مضطرب- و ذلك لأنه يحتمل أن يقال: النفس الحيوانية شيء واحد، و ذلك الشيء موصوف بهذه القوى المدركة و هذه القوة المحركة. و يحتمل أيضا أن يقال: النفس الحيوانية ليست الا مجموع هذه القوى. و كلام «الشيخ» فى هذا الموضوع مشعر بالقول الأول، الا أن قوله: «و لهذه النفس قوتان مدركة و محركة» صريح فى أن النفس موصوفة بهاتين القوتين.
و هذا انما يصح لو كانت هذه النفس مغايرة لهذه القوة، الا انه لم يذكر فى شىء من كتبه دليلا يدل على وجود شىء مغاير لهذه القوى موصوف بها، و لم يذكر لذلك الشىء خاصية، باعتبارها تمتاز عن هذه القوى.
فبقى هذا القول مجهولا.