شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٣٩ - المسألة الثامنة فى ذكر الأجوبة عن دلائل القائلين بأن الزمان يمتنع أن يكون مقدار الحركة
سكن من هذه الساعة الى الساعة الفلانية. فثبت: أن نسبة الزمان الى الحركة و الى السكون: على السوية. و اذا كان الأمر كذلك امتنع أن يقال:
الزمان مقدار الحركة.
ثم ان «الشيخ» ذكر فى هذا الموضع ما يصلح أن يكون جوابا عن هذه الحجة. فقال: ان السكون انما يقتدر بالزمان على سبيل العرض، بمعنى أن الشىء الذي هو ساكن الآن، لو فرضنا أنه كان متحركا بدلا عن كونه ساكنا، لكانت تلك الحركة واقعة فى هذا القدر من الزمان.
و لقائل أن يقول: هذا الكلام انما يصح لو كان تصوره بوجود الزمان موقوفا على تصور الحركة، الا أن ذلك باطل. و يدل عليه وجوه:
الأول: انا لو فرضنا شخصا غافلا عن وجود الأفلاك و الكواكب و عن طلوعها و غروبها، بأن كان أعمى، و كان جالسا فى بيت مظلم، و قدرنا أنه بالغ فى تسكين الحركات بأسرها حتى الطرف و النفس، فان هذا الانسان يجد المدة أمرا مستمرا باقيا. و العلم بذلك ضرورى. و هذا يدل على أنه سواء كان الحاصل هو الحركة أو السكون، فان الزمان حاصل.
و ذلك يقدح فى كون الزمان عارضا من عوارض الحركة.
الثاني: ان الحركة عبارة عن التغير من حال الى حال. و العقل ما لم يفرض زمانين يحصل فى أحدهما الأمر المنتقل عنه، و يحصل فى الثاني الأمر المنتقل اليه، فانه لا يمكن أن يعقل معنى الحركة و التغير.
فثبت: أن تعقل ماهية الحركة موقوف على تعقل الزمان. و لو كان تعقل الزمان موقوفا على تعقل الحركة، لزم الدور. و هو باطل.
الثالث: ان العقل كما يحكم بأن الحركة لا يمكن وقوعها الا فى زمان مخصوص، فكذلك يحكم بأن السكون لا يمكن حصوله الا فى زمان مخصوص. و كما لا يتوقف حكم العقل بجعل الزمان ظرفا للحركة على استحضار معنى السكون، فكذلك لا يتوقف حكم العقل بجعل الزمان ظرفا للسكون، على استحضار معنى الحركة، بل يجد كون الزمان ظرفا للحركة و السكون بالسوية و لا يجد بين الأمرين تفاوتا البتة.
و اذا كان الأمر كذلك، فقد بطل ما ذكره «الشيخ» من أن كون السكون