شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٦ - المسألة الثانية فى تقسيم كل واحد من هذه العلل الأربع الى الأقسام الكثيرة
و اعلم: أنك لما علمت فى الفصل المتقدم: أن العلة قد تكون علة بالذات، و قد تكون علة بالعرض، لا جرم بين هاهنا: أن الطبيعة فى كونها موجبة للحركة و السكون على الوجه الذي لخصناه، موجبة بالذات لا بالعرض.
و اعلم: أنه متى صدق على الطبيعة أنها مبدأ بالذات لهذا الأمر، قد صدق عليها أنها ليست بالعرض لذلك، فيشبه أن يكون قوله بالعرض كالتكرير الذي يذكر لأجل التوكيد. و نظيره قولهم فى حد القياس: انه قول مؤلف من أقوال، اذا سلمت لزم عنها قول بالذات لا بالعرض.
قال الشيخ: «الحركة كمال أول لما بالقوة، من حيث هو بالقوة. و هو كون الشىء على حال لم يكن قبله و لا بعده فيه»
التفسير: هذه هى المصادرة الخامسة. و اعلم: أن هذا البحث انما جعله من مبادئ العلم الطبيعى، لأن موضوع العلم الطبيعى هو الجسم من حيث انه يتحرك و يسكن. و اذا كان كذلك، كان تصور الحركة و السكون جزءا من أجزاء هذا العلم، فلا جرم كان من المبادي.
ثم يقول: الحكماء ذكروا فى تعريف الحركة وجوها:
التعريف الأول: أن يقال: اعلم أن الشىء اما أن يكون بالفعل من كل الوجوه، أو بالقوة من كل الوجوه، أو بالفعل من وجه و بالقوة من وجه آخر.
أما الأول و هو الذي بالفعل من كل الوجوه فهو اللّه سبحانه، فانه منزه عن طبيعة القوة و الامكان و ضرب من الملائكة و أما الثاني و هو الذي بالقوة من كل الوجوه فهذا محال لأنه فى كونه بالقوة ليس بالقوة بل بالفعل.
و أما الثالث و هو الذي بالفعل من وجه و بالقوة من وجه آخر فانه لا يمتنع خروجه الى الفعل ثم ان خروجه الى الفعل اما أن يكون دفعة و اما أن يكون على التدريج. و الأول يسمى كونا لما حدث و فسادا لما زال و بطل. و الثاني هو الحركة فعلى هذا الحركة: عبارة عن خروج الشىء فى أمر من الأمور، من القوة الى الفعل يسيرا يسيرا أو على التدريج أو لا دفعة.