شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٧١ - المسألة الثانية
و اعلم: أن الحكماء لما قالوا فى حد الانسان: انه الحيوان الناطق:
طعن بعضهم فيه. و قال: ان الحد باطل طردا و عكسا.
أما الطرد. فلأن الببغاء ينطق و ليس بانسان. و أما العكس.
فلأن الأبكم انسان و ليس بناطق.
و اعلم: أن من وقف على ما ذكرناه فى تفسير الناطق، علم أن هذا السؤال باطل. و ذلك لأنا بينا أن مرادنا من الناطق: كونه قادرا على اعلام غيره بما فى قلبه من الأحوال و العلوم. و الببغاء لا يقدر على ذلك، و الأبكم يقدر على ذلك بسائر الطرق. فزال هذا السؤال.
قال الشيخ: «و لها خواص [٩] منها ما هو من باب الفعل فى البدن، و منها ما هو من باب الادراك، و منها ما هو من باب الانفعال. فأما الذي لها من باب الفعل فى البدن و الانفعال، ففعل ليس يصدر عن مجرد ذاتها، و أما الادراك الخاص، ففعل يصدر من مجرد ذاتها من غير حاجة الى البدن»
التفسير: ذكر أن خواص النفس منها ما هو من باب الادراك:
و منها ما هو من باب الفعل. و منها ما هو من باب الانفعال. و عندى:
أن هذا التقسيم مختل. و ذلك لأن الادراك اما أن يكون تصورا، و اما أن يكون تصديقا. فأما التصور فانه من باب الانفعال، فانه عبارة عن حصول صورة فى النفس من غير أن يقترن به حكم، فلا يكون للنفس معها نسبة الا بالقبول. و هذا هو الافتعال و اما التصديق فانه من باب الفعل.
لأنه عبارة عن الحكم بثبوت شىء لشىء. و هذا الحكم فعل. فثبت: أن الادراك اما أن يكون انفعالا. و اذا كان كذلك، كان جعل الادراك قسما للفعل و الانفعال خطأ.
[٩] نص عبارة عيون الحكمة: «و لها خواص منها ما هو من باب الادراك و منها ما هو من باب الفعل و منها ما هو من باب الانفعال. فأما الذي لها من باب الفعل فى البدن و الانفعال ففعل ليس يصدر عن مجرد ذاتها. و أما الادراك الخاص ففعل يصدر عن مجرد ذاتها من غير حاجة الى البدن»