شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٩٣ - الفصل السادس فى نفى الخلاء و نفى الملاء
كرة العالم الجسمانى فى حيز معين من ذلك الخلاء. أما قوله: «و الأجسام التي فى الاحاطة انما تتعين جهاتها بجهة هذا المحيط» فالمراد منه: انه تبين فيما تقدم: أن جهات الأجسام انما تتعين بسبب المحيط و المركز، و ذلك المحيط هو العلة لحصول الجهات المختلفة. و أما قوله: «فيجب أن يكون لهذا المحيطة جهة (اذ لذاته ليس به جهة، بل) بحسب شىء آخر [٥] فالمراد منه: أنه لو كان الخلاء موجودا، لكان بعض أجزائه جهة و حيزا لهذا المحيط، فيكون تعين تلك الجهة و ذلك الحيز متقدما على حصول هذا المحيط. لكنا بينا: أن تعين كل جهة و حيز، انما يكون بسبب محيط، فوجب أن يكون تعين جهة هذا المحيط بسبب محيط آخر. و يلزم التسلسل، و اثبات ما لا نهاية من الأجسام. و ذلك محال.
و لقائل أن يقول: بناء هذه الكلمات، على أن اختصاص الجسم بالحيز المعين فى الخلاء الصرف: محال: لأنه يقتضى ترجح أحد طرفى الممكن من غير مرجح. لكنا قد تكلمنا على هذه المقدمة بما لا حاجة فيه الى الاعادة.
قال الشيخ: «و لو كان خلاء لكان لهذا الجسم حيز من الخلاء مخصوص، و وراءه أحياز أخرى خارجه عن حيزه، لا يتحدد بها حيزه، و لا تتحدد هى بحيزه، فلم يكن وقوعه فى ذلك الحيز الا اتفاقا.
و الاتفاق يعرض عن أمور قبل الاتفاق، تتادى الى الاتفاق، و ليست باتفاق، فيكون حينئذ أمور سلفت أدت الى تخصيص هذا الحيز. فلهذا الجسم فى ذاته حيز آخر. و السؤال [٦] فى ذلك الحيز ثابت، بل يجب أن يكون مثل هذا الجسم، لا حيز له و لا أين. و لغيره له الحيز و الأين.
و هذا لا يمكن الا أن يكون الخلاء معدوما، و الا لكان فى الخلاء حيز دونه،
[٥] زيادة من ع.
[٦] و السؤال على اختصاص ذلك الحيز ثابت: ع.