شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٧ - الفصل الرابع فى بيان أن الجهات لا تتحدّد إلا بالمحيط و المركز و تفاريع هذا الباب
كثيرة، لكان السؤال باقيا فى اختلاف أحوالها، بل يجب أن تكون الجهات متحدة بجسم واحد، ليكون غاية أبعد و القرب منه محدودين.
فان الاجسام التي تحتاج الى جهات متحددة، تحتاج الى تقدم وجود هذا الجسم لها، و أن تكون اختلاف جهاتها بالقرب منه و البعد عنه ليس فى جانب دون جانب منه. اذ لا تختلف جوانبه بالطبع، فيجب اذن أن تكون حاله فى اثبات الجهة مركز أو محيط. لكن المركز يحدد القرب و لا يحدد البعد، لأن المركز الواحد يصلح مركزا لدوائر مختلفة الأبعاد، فيجب أن يكون على سبيل المحيط. فان المحيط الواحد، كما يحدد القرب منه، كذلك يحدد البعد منه. و هو المركز الواحد المعين»
التفسير: لما ثبت بالدليل الذي ذكرناه: أن الجهات أطراف و حدود غير قابلة للقسمة، نقول: هذه الحدود. اما أن تفرض فى الخلاء، أو فى الملاء.
لا جائز أن تفرض فى الخلاء لوجهين:
أحدهما: أن القول بالخلاء باطل- على ما سيأتى- و الثاني: أن الخلاء بعد متشابه الماهية. و كل ما كان كذلك، امتنع أن تفرض فيه هذه الحدود بالطبع.
فثبت: أن هذه الحدود انما تفرض فى الملاء. فنقول: ذلك اما أن يكون جسما واحدا، أو أجساما كثيرة. و الثاني باطل. لأن تلك الأجسام اما أن تكون متباينة، أو متداخلة. و يمتنع أن تكون متباينة، لأن على هذا التقدير، يكون كل واحد منها مختصا بجانب معين من الآخر، على بعد معين من الآخر. فتكون تلك الجوانب و الأحياز، محدودة بخواص، لأجلها استحقت حصول تلك الأجسام فيها، فيكون تخصيص تلك الجهات بتلك الخواص، متقدما على حصول تلك الأجسام فيها، و محدد الجهات لا بد و أن يكون مقدما فى الوجود فى حصول تلك الجهات.
و أما ان كانت تلك الأجسام الكثيرة متداخلة، كان المحيط كافيا فى ذلك