شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٢١ - المسألة الأولى
قال الشيخ: «فأولى الحواس و أوجبها للحيوانات، و بها يكون الحيوان حيوانا من بين سائر الحواس هو اللمس. و هى قوة من شأنها أن تحس الأعضاء الظاهرة بالمماسة كيفيات الحر و البرد و الرطوبة و اليبوسة و الثقل و الخفة و الملاسة و الخشونة، و سائر ما يتوسط بين هذه و يتركب عنها»
التفسير: فى هذه الفصل مسائل:
المسألة الأولى
ان احتياج الحيوان الى القوة اللامسة أشد من احتياجه الى سائر الحواس. و الذي عليه وجوه:
الأول: أن لمزاج كل حيوان حدا من الحرارة و البرودة، لو زاد عليها أو نقص عنها، لما بقى حيا. و الحكمة فى خلق القوة اللامسة:
هو أن الحيوان اذا أدرك بقوته اللامسة أن الحر أو البرد اذا ازداد على القدر اللائق لمزاجه، فر عنه لئلا يفسد.
فالحاصل: أن المقصود من خلق القوة اللامسة: أن يتمكن الحيوان بواسطتها من دفع المضار المهلكة. و المقصود من خلق سائر الحواس:
أن يتمكن الحيوان بواسطتها من جلب المنافع المكملة، و دفع المضار المهلكة (و لما كان دفع المضار المهلكة) أولى من جلب المنافع المكملة، فلا جرم كان احتياج الحيوان الى القوة اللامسة، أشد من احتياجه الى سائر القوى.
الثاني: أن القوة اللامسة حاصلة فى جميع البدن. و أما سائر القوى فكل واحد منها يختص بعضو معين. و ذلك يدل على أن الاحتياج الى القوة اللامسة أشد.
و الثالث: انه متى بطلت القوة اللامسة عن جميع الأعضاء، فقد بطلت الحياة، و ليس اذا بطلت سائر القوى، فقد بطلت الحياة، فدل ذلك: على أن الحاجة الى اللمس أشد.