شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٢٩ - المسألة الثالثة
الهواء، كل واحد منها حامل لتلك الكلمة أو مجموع ذلك الهواء، و كان يجب ألا يسمع الكلام الواحد الا السامع الواحد، لأن ذلك المجموع لا يصل دفعة الا الى سامع واحد. و لأنه يلزم أن لا يسمع ذلك الواحد ذلك الكلام الا نادرا، لأن البعيد أن يبقى ذلك الهواء بالكلية على ذلك الشكل، الى أن يصل بكليته الى صماخ ذلك الانسان الواحد.
الثاني: قد يسمع السامع كلام غيره و ان حال بينهما الجدار.
و لا يمكن أن يقال: الهواء هو الحامل لذلك الصوت، لأنه لا ينفذ الى مسام الجدار، لأن الهواء اذا صدم الجدار، لم يبق ذلك الشكل الذي لأجله صار حاملا للصوت المخصوص. و بعد خروجه عن المنافذ، وجب أن لا تبقى كيفية ذلك الخروج.
المسألة الثالثة
قال بعضهم: الصوت لا وجود له فى الخارج، بل انما يحدث فى الحس من ملامسة الهواء المتموج لتلك العصبة الحاملة لقوة السمع.
و قيل فى ابطاله: انا اذا سمعنا الصوت عرفنا جهته، و لو لا أنا انما أدركناه حال وصوله الى صماخنا، لما أدركنا الجهة التي منها وصل الينا. كما أنا لا نحس بالملموس الا حال وصوله الينا، و لم ندرك باللمس أن الملموس من أى جانب جاء.
قال الشيخ: «ثم قوة البصر و هى مشعر الألوان. و عضوها الرطوبة الجليدية فى الحدقة»
التفسير: هذا الكلام ظاهر. و هو مشعر بأن محل القوة الباصرة هو الرطوبة الجليدية. الا أن «الشيخ» ذكر فى «الشفاء» ما هو بخلاف ذلك. قال فى الفصل الذي ذكر فيه سبب رؤية الشىء كشيئين:
«الحق أن الشبح المبصر أول ما ينطبع، انما ينطبع فى الرطوبة الجليدية. الا أن الابصار بالحقيقة لا يكون عندها، و الا لكان الشىء الواحد يرى كشيئين. لأن له فى الجليدتين شبحين، كما اذا لمس بالدين، كان لمسين. و لكن هذا الشبح يتأدى فى العصبتين المحوقتين