شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٨٣ - المسألة الثالثة فى بيان أن الأسطقسات ما هى؟
و لقائل أن يقول: هذه الطريقة انما تقوى و تكمل بالبحث عن أمور:
أحدها: أن نعتبر أن طريقة التركيب و التحليل هل تجرى فى الكل أم لا؟ فانا لم نشاهد أن الذهب انما يتولد فى معدنه بسبب اجتماع أجزاء العناصر، و لم تشاهد أن الذهب عند تسلط النار عليه يتحلل الى أجزاء الأجسام العنصرية. و لم نشاهد ذلك فى الياقوت. و بالجملة: فاعتبار التركيب و التحليل فى البعض لا يفيد الحكم فى الكل، الا على سبيل الظن الضعيف.
و ثانيها: ان هذا الدليل لا يفى ببيان أن جسم النار «اسطقس» لهذه المركبات. و ذلك لأن تولد هذه المركبات من امتزاج الأرض بالماء و الهواء، انما يكمل بتأثير الشمس و سائر الكواكب. فاما أن تدل طريقة التركيب و التحليل على أن جرم النار يصير جزءا من أجزاء أبدان الحيوان و النبات و المعادن، فذاك كالمأيوس عنه. و قد بالغنا فى شرح هذه المسألة فى «الطب الكبير» الذي صنفناه.
و ثالثها: أن طريقة التحليل و التركيب انما تتم باثبات المزاج و ابطال قول أصحاب الخليط.
فهذا جملة الكلام فى تقرير هذه الطريقة.
و أما «أرسطاطاليس» و أتباعه فهم سلكوا فى اثبات أن «الاسطقسيات» هى هذه الأربعة طريقة أخرى. و هى التي ذكرها «الشيخ» فى هذا الكتاب. و تقريرها: أن يقال: هذه «الاسطقسات» لا بد و أن تكون موصوفة بكيفيات توجب حصول الفعل و الانفعال بينها. ثم ان المشاهدة تدل على أن الأجسام البسيطة خالية عن الكيفيات المطعومة و المذوقة و المشمومة. و أما الكيفيات المنضدة، فالبسائط خالية عنها. و أما النار فسنقيم الدلالة على أنها غير ملونة، و أما كون الهواء كذلك، فذاك ظاهر.
و أما الماء أن لا يكون له لون، أو يكون له لون ضعيف. و أما الأرض.
ففى الناس من قال: الأرض الخالصة ليس لها لون. و منهم من سلم أن لها لونا لكننا نعلم أن اللون لا يعين على الفعل و الانفعال الذي يوجب حدوث الوجه.