شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٨٩ - المسألة الرابعة فى أحكام النار
من الشعلة، و الجزء الآخر هو الدخان» فالمراد منه: أن النار المحسوسة عندنا ليست نارا خالصة، بل جزء من الشعلة هو النار. و أما الدخان فانه أجزاء أرضية مختلطة بالنار. و أما قوله «و حار رطب و هو الهواء، فانه لو لا أنه حار لما كان متخلخلا ينسل عن الماء» فالمراد منه: ذكر الدليل على أن الهواء حار، و تقريره: انه لا شك أن الهواء رطب بمعنى كونه قابلا للاشكال الغريبة و تاركا لها بسهولة، فهو ان كان باردا كان مساويا للماء فى الرطوبة و البرودة، فوجب أن يكون مساويا له فى تمام الماهية، و لو كان كذلك لما انفصل بالطبع عن الماء، و لما تصاعد عنه. و حين رأينا الهواء بالطبع متصلا عن الماء، علمنا أنه لا يماثله فى تمام الماهية، و انما تحصل هذه المخالفة لو كان الهواء حارا بالطبع. و أما قوله «و البرد الذي فى أسفله، فهو بسبب ما يخالطه من البخار المائى الغالب عليه عند قرب الأرض» فالمراد منه: جواب السؤال الذي ذكرناه، و هو أن يقال: لو كان الهواء حارا بالطبع فما السبب فى احباسنا الهواء البارد؟ و أجاب عنه: بأن هذا البرد انما كان بسبب أنه يختلط بالهواء، الأبخرة التي تصعد من الأرض الى الهواء، و تختلط به. أما قوله «و أقواه حيث ينتهى شعاع الشمس المنعكس عن الأرض. أعنى: المسخن للأرض أولا ثم ما يحاوره عن قرب ثانيا» فالمراد منه: أن غاية برد الهواء انما يكون فى الهواء البعيد عن الأرض، بعدا يصل اليه تأثير الأرض التي تتسخن بسبب استقرار الاشعة عليها. فاذا سخنت الأرض أوجبت سخونة الهواء الملتصق بها، الا أن تأثير هذا التسخين انما يصل الى الهواء الذي يكون بقرب الأرض.
فأما الهواء الذي يكون فى غاية البعد من الأرض، فانه لا يصل اليه تأثير الأرض، فلا جرم يبقى فى غاية البرد بسبب تصاعد الأبخرة اليه.
و أما قوله «ثم هواء حارا صرفا» فاعلم: أن حاصل هذا الكلام يرجع الى أن الهواء ثلاث طبقات:
إحداها: الهواء الملتصق بالأرض.
ثانيا: الهواء الذي يبعد عن الأرض. لكن تتصاعد اليه الأبخرة