شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٨١ - المسألة الثالثة فى بيان أن الأسطقسات ما هى؟
أما المقام الأول. ف «الشيخ» لم يتكلم فيه أصلا. و زعم جمع عظيم من القدماء: أن «الاسطقس» الأول: أجزاء قابلة للقسمة الوهمية، غير قابلة للقسمة الانفكاكية، و هى فى غاية الصغر، و هى التي تسمى بالهباءات. و زعم أن هذه العناصر الأربعة انما تولدت عنها. ثم اختلفوا.
فزعم بعضهم: أن تلك الأجزاء مختلفة فى الأشكال. فالأجزاء التي بكون شكلها شكل المخروط تكون نفاذة برأسها الحاد، فيتولد من اجتماعها النار. و الأجزاء التي يتكون شكلها شكل المكعب تكون غليظة، و يتولد من اجتماعها الأرض. و ذكروا أشكالا أخرى للماء و الهواء و الأفلاك.
و منهم من يزعم أن تلك الأجزاء اذا اختلط بها خلاء كبير، كانت تلك الأجزاء لطيفة مضطربة خفيفة، و تكون لأجل لطائفها نفاذة فى الغير، فتصير حارة، لأنه لا معنى للحرارة الا التفريق، فيتولد عنها النار. فان كان الخلاء المختلط بها أقل، يتولد عنها الهواء، ثم لا يزال تنتقص هذه الأحوال الى أن يقل اختلاط الخلاء بها جدا، فيتولد عنها جسم كثير الأجزاء جدا.
فيكون ثقيلا، لاكتناز أجزائه، فيكون ظلمانيا، لأجل أن الخلاء لا يتخللها، و يكون باردا لأجل أنها لا تقوى على الغوص و النفود. فهذان المذهبان نقلناهما فى صفات تلك الهباءات. و قد ذكرنا فيها أقاويل أخر، سوى هذين القولين. و الاستقصاء فى نقلها لا يليق بالمختصرات.
و أما المقام الثاني: و هو أن أجسام العالم انما تتولد و تحدث عن امتزاج هذه الأجرام الأربعة، فكثير من القدماء نازعوا فيها. فقال «انكساغورس»: ان شيئا من الطبائع لا تحدث البتة، بل هى بأسرها موجودة. فههنا أجزاء على طبيعة الخبز، و أجزاء على طبيعة اللحم، و أجزاء على طبيعة التفاح. و كذا القول فى سائر الأجسام، الا أن تلك الأجزاء تختلط بعضها بالبعض، و لأجل ذلك الاختلاط لا تظهر تلك الطبائع فاذا انضم بعض تلك الأجزاء الى البعض، ظهر جسم كبير محسوس على تلك الطبيعة، فيظن أن اللحم و الخبز قد حدث. و ليس الأمر كذلك.
بل ذلك كان كامنا بسبب صغر تلك الأجزاء فلما اجتمعت ظهرت. و هؤلاء هم الذين يسمون بأصحاب الخليط التي لا نهاية لها.