شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٥٣ - المسألة الثالثة فى بيان قوله «و عضوها الدودة التي فى وسط الدماغ»
الا أنى أزيد هنا سؤالا آخر فأقول: صور المحسوسات كما يمكن إدراكها على وجه جزئى، فكذلك يمكن ادراكها على وجه كلى. و أيضا: المعانى الجزئية القائمة بهذه الأشخاص المحسوسة كما يمكن ادراكها على وجه جزئى، فكذلك يمكن ادراكها على وجه كلى. و أيضا: التفكر و هو عبارة عن التركيب و التحليل كما يمكن حصوله فى الجزئيات، فقد يعقل حصوله أيضا فى الجزئيات. و ان جملة الحدود و البراهين مركبة عن تصورات كلية مجردة فثبت: أن ادراك الملائم و ادراك المعانى، كما يعقل حصولها فى الجزئيات، فقد يعقل حصولها أيضا فى الكليات. فان لم يمتنع اسناد هذه الأمور الثلاثة الى قوة واحدة، فلم لا يحكم «الشيخ» باسناد هذه الأمور الثلاثة فى الجزئيات الى قوة واحدة؟ و ان امتنع اسنادها الى قوة واحدة، فكيف يحكم باسنادها فى الكليات الى جوهر النفس؟ مع أنه فى ذاته شىء واحد ليس فيه تركيب البتة. فثبت: أن هذا الكلام مختل.
قال الشيخ: «و الحس المشترك غير الخيال. لأن الحافظ غير القابل و الحفظ فى كل شىء بقوة غير قوة القبول. و لو كان الحفظ لقوة القبول، لكان الماء يحفظ الأشكال كما يقبلها، بل للماء قوة قابلة و ليس له قوة حافظة»
التفسير: هذا الكلام قد تقدم ذكره و الاعتراض عليه. و أيضا: فهو قد ذكر هاهنا أن الماء له قوة القبول، و ليس له قوة الحفظ. فنقول: ان اثبات الدعوى الكلية، بذكر المثال الواحد لا تثبت، فلا يلزم من كون الأمر كذلك فى الماء، أن يكون الأمر كذلك فى سائر المواضع. و أما ترك المثال و رجع الى الدليل العام- و هو أن القبول أمران مختلفان فيمتنع صدورهما عن قوة واحدة- كان الكلام ما ذكرنا (و هو) أن الشىء (الذي) يحكم عليه بكونه حافظا، لا بد و أن يحكم عليه بأنه قابل. لأن الذي لا يقبل كيف يحفظ؟ و حينئذ يلزم القطع بأن الشىء الواحد محكوم عليه بكونه قابلا و حافظا، و يلزم منه سقوط هذه الحجة بالكلية.