شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٥٦ - المسألة الأولى
حيث هو ناطق. فاحدى القوتين لدفع الضار، و الثانية لجذب الضرورى و النافع»
التفسير: هاهنا مسائل:
المسألة الأولى
اعلم: أن الحركة الاختيارية لها مبادئ مرتبة بعضها على بعض فى أربع مراتب:
فالمرتبة الأولى- و هى أبعد المراتب- هى أن يعتقد الحيوان كون الفعل الفلانى مشتملا على ما يميل الطبع اليه، أو على ما ينفر الطبع عنه، أو لا يعتقد فيه واحدا من هذين الأمرين ثم ان ذلك الاعتقاد قد يكون اعتقادا حقيقيا علميا، و قد يكون اعتقادا ظنيا، و قد يكون محض الاعتقاد العارى عن سبب يوجبه. بل هو محض اعتقاد حصل فى الذهن لا لموجب.
و اعلم: أنه ما لم يحصل اعتقاد كونه نافعا أو ضارا، لم يقدم الحيوان على الفعل و الترك. و انما سمى الفعل الحيوانى فعلا اختياريا، لأن الاختيار عبارة عن طلب الحيز. و هذا اشارة الى ما ذكرناه. فاذا لم يحصل لا اعتقاد كونه ضارا أو لا اعتقاد كونه نافعا، امتنع الاقدام على الجذب أو الدفع. بلى يبقى على الحال الموجودة. فهذه هى المرتبة الأولى.
و أما المرتبة الثانية: فهى أنه اذا حصل اعتقاد كونه نافعا، ترتب عليه حصول ميل الى الجذب. و اذا حصل اعتقاد كونه ضارا، ترتب عليه حصول ميل الى الدفع. و الميل الى الجذب يسمى الشهوة، و الميل الى الدفع (يسمى) بالغضب. و هذه هى المرتبة الثانية.
و أما المرتبة الثالثة: فقد ذكر فى «الاشارات»: أنه عند حصول الشهوة يحصل اجماع على الفعل و عند حصول الغضب يحصل اجماع على الدفع. و هذه المرتبة لم تذكر هاهنا و هذا هو الأصوب. و ذلك لأنه لا معنى للميول الى الجذب الا الاجماع على الجذب، و لا معنى للميل الى الدفع الا الاجماع على الترك.