شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤٧ - المسألة السادسة فى الفرق بين الحركة و التحريك و المتحرك
التفسير: ظاهر هذا الكلام مشعر بأن الحركة اذا أخذت بالقياس الى المحرك، فهى تحريك. و اذا أخذت بالقياس الى المتحرك فهو التحرك.
و هذا الكلام باطل. و «الشيخ» نقل هذا المذهب فى الفصل الأول من المقالة الثانية من السماع الطبيعى من كتاب «الشفاء» عن قوم ثم بالغ فى ابطاله، و لا أدرى كيف اختاره فى هذا الكتاب؟
قال فى «الشفاء»: «ثم من المشهور أن الحركة و التحريك و التحرك شيء واحد، فاذا أخذت الحركة باعتبار نفسها كانت حركة، و اذا أخذت بالقياس الى ما فيه سمى تحركا و اذا أخذت بالقياس الى ما عنه سميت تحريكا» ثم انه بالغ فى ابطال هذا الكلام و أطنب.
و أنا أقول: الذي يدل على فساد هذا المذهب: أن التحريك عبارة عن كون الفاعل مؤثرا فى وجود الحركة. و مؤثرية الشىء فى وجود الحركة مغايرة لنفس الحركة. و يدل عليه وجوه:
الأول: ان مؤثرية الشيء فى شيء آخر صفة لمؤثر، و ذلك الأثر قد يكون صفة للمؤثر.
الثاني: انه يصح أن نعقل ذات الأثر مع الشك فى أن ذلك المؤثر هل أثر فيه أم لا، و المعلوم غير المشكوك.
الثالث: ان مؤثرية الشيء فى الشيء نسبة مخصوصة بين ذات المؤثر و ذات الأثر. و النسبة بين الشيئين مغايرة لهما.
الرابع: ان المؤثرية فى السواد، و المؤثرية فى البياض، و المؤثرية فى الجوهر: متساوية فى كون الكل مؤثرية. و خصوص كون الأثر سوادا و بياضا و جوهرا، غير مشترك فيه. فالمؤثرية مغايرة للأثر.
فثبت: أن الحركة غير التحريك. و بهذا الدليل عينه يظهر أن الحركة غير التحرك، و هو قبول الحركة.
و اعلم: ان هذه المسألة ضعيفة أيضا. و حاصلها يرجع الى أن كون المؤثر مؤثرا فى الأثر و كون القابل قابلا للأثر. هل هو نفس ذلك الأثر؟ و لنا فيه أبحاث طويلة. و الذي ذكرناه كاف فى هذا المختصر.