شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢١٨ - المسألة الثالثة
تنكسر سورة الحار بالبارد، و تنكسر سورة البارد بالحار، و تحدث كيفية متوسطة بين الحرارة و البرودة تتبرد بالقياس الى الحرارة، و تستحر بالقياس الى البرودة، فيكون المزاج عبارة عن هذه الكيفية. و لا شك أن هذه الكيفية من جنس الحرارة و البرودة، و لا شك أن الادراك و القدرة على التحريك ليسا من جنس الحرارة و البرودة. فثبت: أن النفس ليس عين المزاج، بل الغاية القصوى أن يقال: ان ذلك الاعتدال يوجب قوة الادراك و قوة الفعل، الا أن هذا اعتراف بأن النفس ليس عين المزاج، بل هذا القائل جعل النفس معلول المزاج. و هذا كلام آخر غير قول من يقول: ان النفوس عين المزاج.
الحجة الثانية على أن النفس غير المزاج: ان شعور كل واحد منا بهويته المخصوصة شعور بديهى أولى. ثم انا قد نشعر بهوياتنا المخصوصة حال ما نكون غافلين عن الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة. و ذلك يدل على أن هوياتنا المخصوصة أمور مغايرة لهذه الكيفيات، الحجة الثالثة: انا سنقيم الدلالة على أن النفس ليست بمزاج.
و «الشيخ» ذكر دلائل كثيرة على ابطال ذلك فى كتاب «الاشارات» إلا أنها ليست فى غاية القوة. و لهذا السبب تركناها.
المسألة الثالثة
ظاهر كلامه [٤] مشعر بأن النفس شيء واحد. و ذلك الشيء هو الموصوف بكونه مدركا و بكونه محركا بالاختيار، و هذا هو الحق، لأنه لو كانت القوة المدركة شيئا و القوة المحركة شيئا آخر، و هذا الذي أدرك لم يحرك البتة، و هذا الذي حرك لم يدرك البتة، فلا يكون هذا التحريك تحريكا بالاختيار. و هو محال. فثبت: أنه لا بد من الاعتراف بوجود شيء واحد، يكون هو المدرك و يكون هو المحرك بالاختيار.
و هو المطلوب.
[٤] كلام: ص.