شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٤٠ - المسألة الثالثة
الخط الخارج من العين بالشرط المذكور الى رأس الانسان: قاطعا لهذا المستطيل لا بنصفين، و يكون الانسان يرى فى هذه الحالة أعظم من نصف قائمة. فثبت بهذا البرهان القاطع: أنه لا يلزم من كون زاوية الابصار أصغر، أن يرى المرئى أصغر، و لا من كونها كبيرة أن يرى المرئى كبيرا.
الوجه الثالث فى بيان أنه لا يلزم من صغر زاوية الابصار أن يرى المرئى أصغر: انا اذا أدركنا شيئا على قرب نصف ذراع، ثم تباعد عنا مقدار خمسة أذرع. فانه لا يتفاوت مقداره فى الادراك. مع أن التفاوت الواقع فى الزاوية كثير جدا. فلو كان التفاوت فى صغر الزاوية و كبرها هو الموجب لأن يرى الشىء أصغر مما كان، لما كان الأمر على ما ذكرنا.
فثبت بهذه الدلائل الثلاثة: أنه لا يجوز أن يكون السبب فى أن يرى الشىء أصغر مما هو عليه فى نفسه: صغر الزاوية التي يحصل فيها الانطباع.
و هنا آخر الكلام فى الاستدلال على فساد القول بالشعاع.
و اعلم: أنه لم يثبت بالبرهان القاطع: أن الابصار اما أن يكون بالانطباع أو بالشعاع. و اذا لم يثبت هذا الحصر، فحينئذ لا يلزم من بطلان القول بالشعاع أن يكون القول بالانطباع حقا. فهب أن القول بالشعاع باطل، لكن لا يلزم منه صحة القول بالانطباع- على مذهب «الشيخ»- و أعلم: أن القائلين بالشعاع احتجوا على فساد القول بالانطباع من وجوه:
الحجة الأولى: هى أن بديهة العقل حاكمة بأن انطباع الصورة العظيمة فى المحل الصغير محال عقلا. و نحن اذا فتحنا العين فانا نبصر نصف العالم. فلو كان الابصار عبارة عن الانطباع، لزم أن تنطبع صورة نصف كرة العالم فى نقطة الناظر. و ذلك لا يقوله عاقل. و العجب:
أن أصحاب الانطباع شنعوا على أصحاب الشعاع. و قالوا: كيف يعقل أن يخرج من نقطه الناظر شعاع يتصل بنصف كرة العالم؟ و هذا القول