شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٣٩ - المسألة الثالثة
و أقول: هذه المقدمة كاذبة، و يدل عليها وجوه ثلاثة:
الأول: أن انطباع العظيم فى الصغير، اما أن يكون ممتنعا أو لا يكون، فان كان ممتنعا فقد بطل القول بأن الابصار لا يتم الا بالانطباع، لأنا نرى نصف كرة العالم فكيف نعقل انطباع نصف كرة العالم فى الثقبة العينية؟ و ان كان جائزا لم يلزم من صغر موضع الارتسام، أن تكون الصورة المرتسمة صغيرة.
الثاني: و هو أن المربع المتساوى الأضلاع المتساوى الزوايا يكون كل واحدة من زواياه قائمة، و القطر يقطع هذا المربع بنصفين، فالزاويتان اللتان يقطعهما ذلك القطر، يقطع [١٩] و يقسم كل واحدة منهما بنصفين متساويين. و أما المربع المستطيل المتساوى الزوايا، فان القطر اذا قطعه بنصفين، فالزاويتان اللتان يقطعهما القطر ينقسمان بقسمين مختلفين. فالقسم الذي يؤثره الضلع الأعظم يكون أعظم من نصف قائمة و القسم الذي يؤثره الضلع الأقصر يكون أقل من نصف قائمة.
و اذا عرفت هذه المقدمة فنقول: اذا نظرنا الى عمود قائم على الأرض طوله عشرون ذراعا على بعد عشرين ذراعا، و نظر أيضا الى شخص انسان على بعد ذراعين، و كان الناظر مضطجعا و وضع بصره على السطح الذي فرضنا أن ذلك العمود و ذلك الانسان قائما عليه، فانه ليس يرى ارتفاع العمود أصغر من ارتفاع قامة الانسان، مع أن الزاوية التي بها يرى العمود المذكور، نصف قائمة، و الزاوية التي بها يرى الانسان المذكور، أعظم من نصف قائمة. فانه اذا كان البعد من عين الانسان الى موضع العمود عشرين ذراعا، و كان طول العمود أيضا عشرين ذراعا: كان المربع المتولد منها مربعا متساوى الأضلاع، و كان الخط الذي يمر من عين الانسان الى رأس العمود: قطرا لذلك المربع، و قاسما للزاوية القائمة بنصفين. فكان الانسان يرى من نصف قائمة.
و أما اذا كان البعد بين العين و بين موقف الانسان ذراعين، و كان طول الانسان أكثر من ذراعين: كان المربع الحاصل منهما مستطيلا، و كان
[١٩] فانه يقطع: ص.