شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٤ - الفصل الثالث فى بيان تناهى الأبعاد
و اذا عرفت هذا فنقول: مرادنا من التطبيق المذكور هذا القدر.
و معلوم: أن هذا لا يحتاج فى ثبوته الى الجر و الدفع. و حينئذ نقول:
أما أن يحصل فى مقابلة كل مرتبة من المراتب الحاصلة فى الجملة الزائدة مرتبة تساويها فى الجملة الناقصة أو لا تكون كذلك. فان كان الأول لزم أن يكون الزائد مساويا للناقص، و ان كان الثاني فحينئذ تصير الجملة الناقصة متناهية، و الفضلة أيضا متناهية. فتكون الجملة متناهية لا محالة.
و لقائل أن يقول: انا اذا أخذنا مراتب الأعداد من الواحد الى ما لا نهاية له فى طرف الزيادة جملة. و أيضا: أخذنا مراتب الأعداد من العاشر الى ما لا نهاية له فى طرف الزيادة. جملة أخرى. ثم قابلنا الأول من هذا بالأول من ذاك و الثاني من هذا بالثانى من ذاك. فعلى هذا التقدير يلزم القول بكون الأعداد متناهية فى طرق الزيادة. و ان هذا محال.
و أجيب أن يجيب فيقول: الفرق بين البابين أن هاهنا الأجسام التي لا نهاية لها لما كانت موجودة كانت الأشياء التي لا نهاية لها موجودة، و حينئذ يحصل التطبيق بحسب المراتب فى نفس الأمر. بخلاف مراتب الأعداد، فانه لا وجود لها فى الخارج. و ذلك ظاهر. و لا فى الذهن لأن الذهن لا يقوى على استحضار ما لا نهاية له على التفصيل. و اذا كان لا وجود لهذه المراتب غير المتناهية فى الأعداد، و لا [٣] جرم لا يحصل التطبيق فيها فى نفس الأمر، لم [٤] يلزم تناهيها. فظهر الفرق.
(و أما) السؤال الثاني: و هو المعارضة بالنفوس الناطقة. فجوابه:
أن الحكماء قالوا: كل ماله ترتيب فى الطبع أو فى الوضع، فدخول ما لا نهاية له فيه محال. و كل ما لا يكون كذلك، فدخول ما لا نهاية له فيه غير ممتنع. و النفوس الناطقة ليس فيها ترتيب لا فى الوضع و لا فى الطبع. فظهر الفرق.
قال بعض المتكلمين: هذا الجواب فى غاية الضعف. لأن هذا الدليل مداره على حرف واحد. و هو أن الجملة الناقصة تنقطع حال ما تكون
[٣] لا: ص.
[٤] فلم: ص.