شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٧١ - المسألة السادسة فى بيان أن الجسم البسيط يمتنع أن يجتمع فيه مبدأ الحركة المستقيمة مع مبدأ الحركة المستديرة
الفلكية توجب الحركة المستقيمة بشرط حصول الفلك فى الحيز الغريب و الحركة المستديرة بشرط حصوله فى الحيز الملائم له؟ و أما قوله:
«لا كما يكون فى حالة أخرى مبدأ سكون» فاعلم: أن المراد منه: أن الطبيعة الواحدة تكون مبدأ للحركة فى حال. و هى كونه حاصلا فى الحيز الغريب، و مبدأ للسكون فى حالة أخرى. و هى كونه حاصلا فى الحيز الملائم. فهذا جائز. و زعم: أن هذا و ان كان جائزا، الا أنه يمتنع كون الطبيعة الواحدة مبدأ للحركة المستقيمة فى حال، و مبدأ للحركة المستديرة فى حال أخرى. و أما قوله: «لأن السكون غاية الحركة المستقيمة» فاعلم: نه لم يشتغل باقامة الدلالة على امتناع ذلك الاحتمال، و انما اشتغل بالفرق بين الصورتين، فقال: السكون غاية للحركة المستقيمة.
و الدليل على أن الأمر كذلك: أن الحركة المستقيمة هرب عن مكان غير طبيعى، و طلب لمكان طبيعى. فاذا انتهت حركته الى الحصول فى ذلك المكان الطبيعى، استحال أن يتحرك عنه بالطبع، و الا لكان ذلك المكان غير طبيعى، بل يكون مهروبا عنه غير ملائم، مع أنا فرضناه مكانا طبيعيا مطلوبا بالذات ملائما. هذا خلف. فاذا ثبت أنه لا يتحرك عنه بالطبع وجب أن يسكن فيه. و اذا كان كذلك وجب أن يكون ذلك السكون غاية لتلك الحركة المستقيمة. و اذا كان الأمر كذلك لم يمتنع كون الطبيعة الواحدة موجبة لهذه الحركة و لهذا السكون بحسب شرطين مختلفين فى وقتين مختلفين. أما الحركة المستديرة فليست هى غاية للحركة المستقيمة و لا هى عدم لها، بل أمر رائد، فيحتاج الى مبدأ آخر.
فظهر: أن حاصل هذا الفرق يرجع الى حرف واحد، و هو أن السكون غاية للحركة المستقيمة، فلا يمنع كون الطبيعة الواحدة موجبة فهذه الحركة و لهذا السكون. أما الحركة المستديرة فانها ليست غاية للحركة المستقيمة، فلا جرم يمتنع كون الطبيعة الواحدة موجبة لهما معا.
فظهر الفرق. الا أنا ذكرنا: أن هذا الفرق ضعيف. لأن الحركة المستقيمة فى الأجسام غايتها السكون، لا الحركة المستديرة. و أما الحركة المستقيمة فى الأجسام الفلكية، فغايتها الحركة المستديرة، لا السكون. فثبت:
أنه لا فرق بين البابين.