شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٩٢ - الفصل السادس فى نفى الخلاء و نفى الملاء
و الكلام فى هذه المقدمة يرجع الى الكلام الذي يتمسك به الحكماء فى مسألة القدم- و هو مشهور- المقدمة الرابعة: هب أن القول بالفاعل المختار باطل. الا أنا نشاهد أن كل واحد من الأشخاص الحيوانية و النباتية و المعدنية، مختص بصورة مخصوصة و حيز مخصوص و مقدار مخصوص، مع لا يمتنع فى العقل أن يحصل خلاف ذلك و ضده. فاختصاص كل واحد من الأجسام السفلية بصفاتها الخاصة. أما أن يكون، لأنه وقع ذلك من غير مرجح، أو أن كان لا بد له من مرجح، لكن ذلك المرجح فاعل مختار، أو ان كان ذلك المرجح موجبا بالذات، الا أن كل حادث فانه مسبوق بحادث آخر. و الحادث المتقدم أعد المادة لقبول الحادث المتأخر. و على هذا الترتيب يكون قبل كل حادث حادث آخر، لا الى أول. و اذا عقلنا ذلك فى اختصاص هذه الأجسام السفلية بهذه الصفات المخصوصة، فلم لا يجوز مثله فى اختصاص كل العالم الجسمانى بموضوع معين من الخلاء الذي لا نهاية له؟
و ذلك بأن يقال: حصل فى ذلك الحيز المعين لا المرجح. أو يقال:
حصوله فيه بتخصيص الفاعل المختار. أو يقال: انه كان قبل أن حصل فى هذا الحيز من الخلاء، كان حاصلا فى حيز آخر، و كان حصوله فى الوقت المتقدم فى ذلك الحيز من الخلاء، أعده لأن يحصل فى الوقت المتأخر فى الحيز الثاني من الخلاء. و على هذا الترتيب قد كان حصول هذا العالم فى كل جزء من أجزاء الخلاء، مسبوقا بحصوله فى جزء آخر من الخلاء.
و هكذا الى ما لا نهاية له.
فثبت: أن كل ما يقولونه فى الأعراض المخصوصة للأجسام الثقيلة، فنحن نقوله فى اختصاص كلية العالم بالجزء المعين من الخلاء. و اللّه أعلم بالصواب.
و لنرجع الى تفسير الألفاظ:
أما قوله: «و لو كان الخلاء موجودا، لما كان يختص فيه الجسم المحيط الا بجهة تتعين» فالمراد منه: أنه لو كان الخلاء موجودا، لوجب أن تحصل