شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٦٢ - المسألة الثانية
قال الشيخ: «و يعرض لها أن البدن (فى كل شخص [٤]) اذا أخذ يضعف بعد سن الوقوف أن يضعف جميعها (فى كل شخص [٥]) فلا يكون و لا شخص واحد تسلم فيه القوة الحاسية. فاذن كلها بدنية»
التفسير: هذه هى الحجة الرابعة على أن القوى الحاسة جسمانية و ذلك لأن بعد الأربعين، يأخذ البدن فى الضعف. و هذه القوى أيضا تأخذ فى الضعف. و ذلك يدل على أن ضعف البدن يستلزم ضعف هذه القوة. و ذلك يدل على أنها جسمانية.
و لقائل أن يقول: لا نسلم أن هذه القوى تأخذ فى الضعف بعد الأربعين. و بيانه من وجوه:
الأول: انا قد رأينا كثيرا ممن كان فى زمان شبابه كثير الأمراض و العلل، فلما دخل فى سن الكهولة قوى مزاجه و زالت الأمراض و العلل عنه.
الثاني: ان الشيخ يزداد حرصه و أمله. قال النبي عليه السلام:
«يهرم ابن آدم، و يشيب معه اثنان الحرص و الأمل» و لا شك أن الحرص و الأمل ادراكات جزئية و ارادات جزئية. ثم انها بعد الأربعين تأخذ فى القوة لا فى الضعف. فبطل قولكم: ان هذه القوى تأخذ فى الضعف بعد الأربعين. ثم نقول: هب أن الأمر كما ذكرتم، و لكن لم لا يجوز أن يقال: هذه القوى و ان كانت غير جسمانية بحسب الذات، الا أنها جسمانية بمعنى أن أفعالها لا تصدر عنها الا بواسطة هذه الآلات. فلا جرم لزم من اختلال البدن اختلال هذه الأفعال.
و اعلم: أنهم لما احتجوا بهذه الحجة على أن هذه القوى جسمانية، فقد احتجوا بما يقرب منها على أن القوة العقلية غير جسمانية. قالوا:
القوة العقلية تقوى بعد الأربعين، مع أن البدن يضعف بعد الأربعين.
فلما قويت القوة العقلية عند ضعف البدن، علمنا: أن القوة العقلية غير جسمانية، و أنها غنية فى ذاتها عن البدن.
[٤] سقط من: ع.
[٥] زيادة من: ع.