شرح عيون الحكمة - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٧٥ - المسألة التاسعة فى أحكام الثقيل و الخفيف
فلا جرم (يكون) الجسم الملتصق بالفلك هو أسخن الأجسام و ألطفها. و هو النار. و الجسم الذي يكون فى المركز يكون فى غاية البعد عن الفلك، فلا جرم حصلت فيه البرودة. و ذلك هو الأرض. ثم الجسم الذي حصل تحت النار، كان أقل حرارة و لطافة من النار- و هو الهواء- و الجسم الذي حصل فوق الأرض كان أقل بردا و كثافة من الأرض- و هو الماء- فحصل بسبب هذا المعنى، هذا الترتيب البالغ فى غاية الحكمة. و هو الأخذ من غاية السخونة و اللطافة نازلا الى البرد و الكثافة، حتى انتهى الى الأرض، التي هى الغاية فى البرد و الكثافة.
قال الشيخ: «و أنت تعلم أن الأرض ترسب فى الماء كما يرسب الماء فى الهواء. فهما ثقيلان. لكن الأرض أثقل، و الهواء اذا حصل فى الماء (و الأرض) طفا، أو صعد، أن وجد منفذا. و خاليا فى مكانه، اذ يمتنع وقوع الخلاء. فالهواء خفيف و النار لا تثبت فى الهواء، بل تطفو الى فوق. فالنار أخف من الهواء»
التفسير: ان الأرض و الماء يرسبان فى الهواء، فهما ثقيلان.
لكن الأرض ترسب فى الماء، فوجب أن تكون الأرض أثقل من الماء.
و أما الهواء فانه اذا حصل فى الماء طفا و صعد. و يدل عليه وجوه:
الأول: ان الزق المنفوخ. اذا غمس فى الماء قسرا، ثم زال القاسر، طفا ذلك الزق.
الثاني: ان الكوز الذي يكون ضيق الرأس. اذا غمس فى الماء قسرا، و دخل الماء فيه، ظهرت البقابق. و ذلك يدل على أن الهواء يصعد من الماء.
الثالث: الماء اذا غلى، حتى حدث الهواء فى داخله. فان ذلك الهواء المتولد فى داخله يرتفع و ينفصل. و ذلك هو البخار.