من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٤ - كيف نتحدى التمني بالذكر؟
والمعنى الأول يشير إلى سعي النبي صلى الله عليه واله ورجاءه في نشر الدعوة ونجاحها وضم المزيد إلى ساحة الإيمان، بيد أن الشيطان والكفار يفسدون عليه ويحاربونه يريدون أن يطفئوا نور الله، ويشاء الله- في نهاية المطاف- أن يتم ما يريد ويظهر دينه.
والمعنى الثاني: أي التلاوة يشير إلى أن النبي حين يتلو الوحي يلقي الشيطان وساوسه ليجادله الكفار والمنافقون ويثيرون الشبهات ليفسدوا غرض التلاوة أي الإبلاغ والتعليم، لكن الله يتم حجته ويقطع وساوسهم بالحجة البالغة.
وكمثال للسعي الشيطاني في الإضلال ما قصّه القرآن من قصة السامري قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُ [طه: ٨٥]. وكان غياب موسى عليه السلام وتأخره عشر أيام في ميقات ربه قد ترك فرصة مناسبة للانتهازيين أن يسعوا الى مصالحهم. والآن حيث تأخر موسى عليه السلام وظنوا أنه قد أدركته الوفاة، بادروا الى الفتنة، لكي يبعدوا خليفة موسى الشرعي هارون عليه السلام عن السلطة، فأشاع السامري فيهم أن موسى قد مات، وصنع لهم العجل كرمز لسلطته. وقد وصف القرآن ماحدث ب- قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ [طه: ٨٥]، ناسبا الفتنه له تعالى، وقد كشف الذكر عن بعض معالمها قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي [طه: ٩٦]، ونسبة الفتنة للتدبير الإلهي ورد في أكثر من مكان في القرآن، مثل
- وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَاناً كَبِيراً [الإسراء: ٦٠].
- إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ [القمر: ٢٧].
- وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [الأنعام: ٥٣].
- إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنْ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى [طه: ٤٠].
- وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ [الأعراف: ١٥٥].