من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٢ - وألقي السحرة سجدا
لهذه الآية تفسيران
الأول: هو أن موسى عليه السلام بشر كسائر الناس، من حيث الذات والبنية الجسدية والنفسية، ولذلك ساوره الخوف، والملاحظ أنه كلما تحدَّث القرآن الحكيم عن معجزات الأنبياء، تحدَّث في ذات الوقت عن جانب من ضعفهم البشري، كالخوف والعجلة والجزع والميل في اتجاه الضغوط، إلا أن هذا الجانب سرعان ما يتلاشى بتأييد الله.
وذلك حتى لا يظن البشر أن الاعجاز نابع من ذاتهم، فيقدسونهم ويؤلهونهم ولكي يكونوا حجة على الناس ويقطع عنهم سبل الأعذار.
الثاني: إن موسى عليه السلام لم يكن خائفاً على نفسه، بل خشي أن يستأثر السحرة بقلوب الحاضرين فلا ينفعهم بعد ذلك إعجازه شيئاً ولقد جاؤوا بسحر عظيم يُخشى معه على عام الناس.
[٦٨] قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى وتدل هذه الآية على التفسير الثاني بما تحمل من تطمين لموسى بأنه هو الغالب، وهذا النوع من التخوف موجود لدى كل الرساليين، فهم يخشون من وسائل الإعلام والثقافة المضللة أن تفسد الناس، ولكن عليهم أن يتغلبوا على خشيتهم بذكر الله سبحانه وتعالى، وأن يثقوا بأن أقلامهم النظيفة التي تبين الحقيقة تعادل ملايين الأقلام التي تكتب الزيف والباطل، لأن الحقيقة قوة تبتلع سحر المبطلين.
[٦٩] وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا وتقوم عصاك بابتلاع حبالهم، وعصيهم التي صنعوها بما لها من وجود مادي وآثار نفسية.
إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى فكل الذي قاموا به لا يعدو أن يكون مجموعة من الخطط الماكرة الباطلة، التي لا تلبث أن تنتهي بوهج الحقيقة، كما الظلام ينهزم أمام النور، وباستطاعة الإنسان المتصل بالله أن يتجاوز تأثيرات السحر الوهمية، وهكذا فالسحر لا يؤثر فيمن يؤمن بالله حقاً، وقد قال عنه تعالى وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة ١٠٢:]، كما أن ذات الساحر لا يفلح، لأن عمله هذا يكرِّس فيه الانحراف عن خط الفطرة والحياة في الدنيا، ويسبب له العذاب في الآخرة.
[٧٠] صحيح أن عاقبة الساحر هي الخسار ولكن متى، مادام متمسكاً بسحره وانحرافه، أما إذا تاب وتمسك بالحق والرسالة، فإنَّ عاقبته ستكون إلى خير، وهذا يدلنا على أن عاقبة الإنسان، رهينة عمله، لا لونه ولا جنسه.