من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٤ - وألقي السحرة سجدا
بنفسه حينما يتصل بنبع الإيمان، إذ يعطيه الإيمان العزة وروح الاستقلال.
وحينما أحسَّ فرعون بانفصال السحرة عنه، حاول أن ينتقم منهم، فأخذ يبحث عن مبرر للانتقام فقال إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ وهذا ديدن الطغاة مع المؤمنين، وسائر أطراف المعارضة الحقيقية، إنهم يلصقون بهم التهم الرخيصة، لتبرير تعسفهم وممارساتهم الجائرة بحقهم.
فَلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى وكان الصلب قديماً يتم- فيما يبدو- بمد يدي الإنسان على خشبة، ثم يدقون فيها المسامير، وهكذا أرجله ومواضع أخرى من بدنه، ويظل على هذا الحال حتى يموت.
إلا أن فرعون هدَّد بقطع أرجلهم وأيديهم من خلاف، زيادة في التعذيب، وربما أراد التنكيل بعوائلهم، وتشويه سمعتهم بعد موتهم، إذ قال وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى.
[٧٢] ولكنهم صمدوا إمامه بصلابة الإيمان، وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن أمام الطغاة صلباً شديداً.
قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ أي أكتشفنا الحقيقة، ومن يكتشفها يعشقها، وأقسموا وَالَّذِي فَطَرَنَا تأكيد لقرارهم ودعماً لموقفهم، وإنه الموقف الحاسم، وأضافوا رداً على تهديداته فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وهكذا يجب أن يكون المؤمن مستعداً لتحمل تبعات إيمانه واستقلاله.
ولكن السؤال: كيف بلغ هؤلاء السحرة وبهذة السرعة إلى هذه القمة السامقة من الإيمان والجهاد، حيث ألقوا بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وحيث آمنوا ذلك الإيمان العميق بالآخرة؟!.
والجواب كالتالي
أولًا: إن الحقائق تبقى غامضة إلى أن يتصل القلب بالحقيقة الكبرى في هذه الحياة، والتي تتجلى في معرفة الرب، فإذا عرف الإنسان ربه، ذابت عن قلبه جبال الجليد المتراكمة فوق قلبه، فرأى الحقائق بوضوح كافٍ.
أو ليس الله سبحانه خالق السماوات والأرض، ومبدئ الخلائق جميعاً؟ كذلك معرفته أول كل علم وينبوع كل معرفة.