من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٣ - وألقي السحرة سجدا
وقد طلب موسى عليه السلام إلى السحرة أن يكونوا أول الملقين، حتى يكون أثر انتصاره على فرعون عميقاً في أنفس الجميع حتى السحرة، حيث يصبح ذلك السحر الذي أكبروه قبل لحظات هباءً منثوراً.
وبالفعل فقد جاءت النتيجة عظيمة إذ تجاوز الأثر الناس إلى أعماق السحرة.
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى لقد كان التاثير بالغاً، بحيث وقع السحرة سجداً منهارين أمام نور الحقيقة، فكأنهم ألقوا بغير إرادتهم، وفي الآية إشارة إلى هداية الله بأنها العامل الحاسم في سجودهم.
والسجود هو قمة العبودية والخضوع أمام الله، ولم يكن هذا السجود هيكلياً إذ احتوى أسمى معانيه، وهو الاعتراف بالعبودية لله.
والسؤال: لماذا يذكر الله هارون في هذه الحادثة، مع أن موسى هو الذي واجه السحرة مباشرة، وكان الحديث حتى الآن عنه وحده؟.
الجواب: هناك سببان رئيسيان
الأول: إن هارون كان الناطق باسم موسى، وهو معروف في أوساط المجتمع.
الثاني: هناك دائماً قيادات ثانية تتمثل في الأوصياء والصالحين، ويقتضي الموقف السليم، أن تبرزها القيادات العليا في اللحظات الحاسمة، كلحظة الانتصار، حتى يتأكد دورها في المجتمع، وهكذا نجد في تاريخ الرسالة الإسلامية أن النبي صلى الله عليه واله أعطى الراية لعلي عليه السلام حتى حين دخلوا مكة فقال صلى الله عليه واله
[الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَرْحَمَةُ، الْيَوْمُ أَعَزَّ اللهُ قُرَيْشاً]
[١]. كما أنه صلى الله عليه واله رفض دخول المدينة حتى يأتي علي عليه السلام، وذلك ليعرف دوره في أداء الرسالة.
[٧١] ولكن هل كان فرعون يقبل بالحق أو يعترف بالهزيمة، أو حتى يسمح للآخرين بذلك؟ كلا .. قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ لقد كان نظام فرعون قائماً على الاستبداد المطلق، ونرى كيف أن الطغيان بلغ بفرعون حداً سلب الناس حريتهم في معتقداتهم.
ولكن الإيمان بالله يقاوم الدكتاتورية، ويعطي الاستقلال، فالتبعية التي وقع فيها السحرة انتهت بمجرد إيمانهم بالله تعالى، والإنسان إنما يكون تابعاً بسبب إحساسه بالضعة، فيعتقد أنه يقوي نفسه ويصبح عظيماً حينما يربط مصيره بالطغاة وأصحاب القدرة، ولكنه يثق
[١] بحار الأنوار: ج ٢١، ص ١٠٩.