الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٦٩ - رواية المدائني في ذلك
إنّ التي صنتها عن معشر طلبوا
منّي إليّ الذي لم ينجح الطّلب
أخلصتها لك إخلاص امرئ علم الأقوام أنّ ليس إلّا فيك يرتغب
أصبحت تدفعها منّي [١] و أعطفها
عليك و هي لمن يحبى بها رغب
فإن وصلت فأهل العرف أنت و إن
تدفع يديّ فلي بقيا و منقلب/
إنّي كريم كرام عشت في أدب
نفى العيوب و ملك [٢] الشّيمة الأدب
قد يعلمون بأنّ العسر منقطع
يوما و أنّ الغنى لا بدّ منقلب
فمالهم حبس [٣] في الحقّ مرتهن
مثل الغنائم تحوى ثم تنتهب
و ما على جارهم ألّا يكون له
إذا تكنّفه أبياتهم نشب
لا يفرحون إذا ما الدّهر طاوعهم
يوما بيسر و لا يشكون إن نكبوا
فارقت قومي فلم أعتض بهم عوضا
و الدّهر يحدث أحداثا لها نوب
رواية المدائني في ذلك:
و أمّا المدائنيّ فقال: كان الوليد بن يزيد يكرم طريحا، و كانت له منه منزلة قريبة و مكانة، و كان يدني مجلسه، و جعله أوّل داخل و آخر خارج، و لم يكن يصدر إلّا عن رأيه. فاستفرغ مديحه كلّه و عامّة شعره فيه؛ فحسده ناس من أهل بيت الوليد. و قدم حمّاد الراوية على التّفئة [٤] الشأم، فشكوا ذلك إليه و قالوا: و اللّه لقد ذهب طريح بالأمير [٥]، فما نالنا منه ليل و لا نهار. فقال حمّاد: ابغوني من ينشد الأمير بيتين من شعر، فأسقط منزلته. فطلبوا إلى الخصيّ الذي كان يقوم على رأس الوليد، و جعلوا له عشرة آلاف درهم على أن ينشدهما الأمير في خلوة، فإذا سأله من قول من ذا؟ قال: من قول طريح؛ فأجابهم الخصيّ إلى ذلك، و علّموه البيتين. فلمّا كان ذات يوم دخل طريح على الوليد و فتح الباب و أذن للناس فجلسوا طويلا ثم نهضوا، و بقي طريح مع الوليد و هو وليّ عهد؛ ثم دعا/ بغدائه فتغدّيا جميعا. ثم إنّ طريحا خرج و ركب إلى منزله، و ترك الوليد في مجلسه ليس معه أحد، فاستلقى على فراشه.
و اغتنم الخصيّ خلوته فاندفع ينشد:
/
سيري ركابي إلى من تسعدين به
فقد أقمت بدار الهون ما صلحا
سيري إلى سيّد سمح خلائقه
ضخم الدّسيعة [٦] قرم يحمل المدحا
فأصغى الوليد إلى الخصيّ بسمعه و أعاد الخصيّ غير مرّة؛ ثم قال الوليد: ويحك يا غلام! من قول من هذا؟
قال: من قول طريح. فغضب الوليد حتى امتلأ غيظا؛ ثم قال: وا لهفا على أمّ لم تلدني! قد جعلته أوّل داخل و آخر
[١] في ح، م: «عني».
[٢] ملك الشيمة: قوامها و معظمها.
[٣] حبس (بضمتين): محبوس.
[٤] التفئة: الحين و الزمان.
[٥] كذا في ء، م، ط، و هو الصواب؛ إذ كان الوليد في ذلك الوقت وليّ عهد.
[٦] الدسيعة: العطية الجزيلة، و الجفنة الواسعة، و المائدة الكريمة.