الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٥١ - استدعاه سليمان بن عبد الملك سرا فغناه فطرب و أعاده إلى الحجاز مكرما
إيّاك لم يندمل- يعني خبره معه بحضرة عبد اللّه بن جعفر، و ذكره لعمّته الفارعة- فاربح نفسك و أقبل على شأنك؛ فإنّه لا قيام لك بمن يفهمك فهمي. و قال له الدّلال: يا أخا الأنصار! إنّ أبا عبد النّعيم أعلم بك منّي، و سأعلمك بعض ما أعلم به. ثم اندفع و نقر بالدّفّ، و كلّهم ينقر بدفّه معه، فتغنّى:
صوت
أ تهجر يا إنسان من أنت عاشقه
و من أنت مشتاق إليه و شائقه [١]
و ريم أحمّ المقلتين موشّح
زرابيّه [٢] مبثوثة و نمارقه
ترى الرّقم [٣] و الدّيباج في بيته معا
كما زيّن الروض الأنيق [٤] حدائقه
/ و سرب ظباء ترتعي جانب الحمى
إلى الجوّ [٥] فالخبتين بيض عقائقه [٦]
و ما من حمى في الناس إلّا لنا حمى
و إلّا لنا غربيّة و مشارقه
فاستضحك عبد الرحمن و قال: اللّهمّ غفرا، و جلس.
لحن الدّلال في هذه الأبيات هزج بالبنصر عن يحيى المكيّ و حمّاد.
استدعاه سليمان بن عبد الملك سرا فغناه فطرب و أعاده إلى الحجاز مكرما:
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن أبي عبد اللّه الجمحيّ عن محمد بن عثمان عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت عمّي عتبة يقول حدّثني مولى للوليد بن عبد الملك قال:
كان الدّلال ظريفا جميلا حسن البيان، من أحضر الناس جوابا و أحجّهم؛ و كان سليمان بن عبد الملك قد رقّ له حين خصي غلطا، فوجّه إليه مولى له و قال له: جئني به سرّا، و كانت تبلغه نوادره و طيبه، و حذّر رسوله أن يعلم بذلك أحد. فنفذ المولى إليه و أعلمه ما أمره به، و أمره بالكتمان و حذّره أن يقف على مقصده أحد، ففعل. و خرج به إلى الشام، فلمّا قدم أنزله المولى منزله المولى منزله و أعلم سليمان بمكانه؛ فدعا به ليلا فقال: ويلك ما خبرك؟
فقال: جببت من القبل مرّة أخرى يا أمير المؤمنين، فهل تربد أن تجبّني المرّة من الدّبر؟! فضحك و قال: اعزب أخزاك اللّه! ثم قال له: غنّ. فقال: لا أحسن إلّا بالدّفّ. فأمر فأتي له بدفّ؛ فغنّى في شعر العرجيّ:
أ في رسم دار دمعك المتحدّر
سفاها و ما استنطاق ما ليس يخبر
تغيّر ذاك الربع من بعد جدّة
و كلّ جديد مرّة متغيّر
[١] فيء، ط، ب: «و وامقه».
[٢] الزرابيّ: البسط. و قيل: كل ما بسط و اتكئ عليه. و النمارق: الوسائد.
[٣] الرقم: ضرب مخطط من الوشي أو الخز أو البرود.
[٤] في ح: «الروض الأثيث». و الأثيث: الكثير العظيم.
[٥] الجوّ و الخبتان: كلاهما موضع.
[٦] الأقرب أن يكون «بيض عقائقه» مرتبطا بالموضع الذي قبله، و أن يكون المراد بالعقائق: النهاء (جمع نهي بكسر أوّله و فتحه) الغدران في الأخاديد المنعقة (العميقة).