الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٥٦ - شعر له في هجو أبي سفيان بن الحارث
نهى عمر بن الخطّاب الناس أن ينشدوا شيئا من مناقضة الأنصار و مشركي قريش، و قال: في ذلك شتم الحيّ [١] بالميّت، و تجديد الضغائن، و قد هدم اللّه أمر الجاهليّة بما جاء من الإسلام. فقدم المدينة عبد اللّه بن الزّبعري السّهمي و ضرار بن الخطّاب الفهريّ ثم المحاربيّ، فنزلا على أبي أحمد بن جحش، و قالا له: نحبّ أن ترسل إلى حسّان بن ثابت حتّى يأتيك، فننشده و ينشدنا مما قلنا له و قال لنا. فأرسل إليه فجاءه؛ فقال له: يا أبا الوليد، هذان أخواك ابن الزّبعري و ضرار قد جاءا أن يسمعاك و تسمعهما ما قالا لك و قلت لهما. فقال ابن الزّبعري و ضرار: نعم يا أبا الوليد، إن شعرك كان يحتمل في الإسلام و لا يحتمل شعرنا، و قد أحببنا أن نسمعك و تسمعنا.
فقال حسّان: أ فتبدءان أم أبدأ؟ قالا: نبدأ نحن. قال: ابتدئا؛ فأنشداه حتى فار فصار كالمرجل غضبا، ثم استويا على راحلتيهما يريدان مكة؛ فخرج حسّان حتى دخل على عمر بن الخطّاب فقصّ عليه قصّتهما و قصّته. فقال له عمر:
لن يذهبا عنك بشيء إن شاء اللّه، و أرسل من يردّهما، و قال له عمر: لو لم تدركهما إلّا بمكة فارددهما عليّ.
و خرجا فلمّا كانا بالرّوحاء [٢] رجع ضرار إلى صاحبه بكره، فقال له يا ابن الزّبعري: أنا أعرف عمر و ذبّه عن الإسلام و أهله،/ و أعرف حسّان و قلّة صبره على ما فعلنا به، و كأنّي به قد جاء و شكا إليه ما فعلنا، فأرسل في آثارنا و قال لرسوله: إن لم تلحقهما إلّا بمكة فارددهما عليّ؛ فاربح بنا ترك العناء و أقم بنا مكاننا؛ فإن كان الذي ظننت فالرجوع من الرّوحاء أسهل منه من أبعد منها، و إن أخطأ ظنّي فذلك الذي نحبّ و نحن من وراء المضيّ. فقال ابن الزّبعري: نعم ما رأيت. قال: فأقاما بالرّوحاء، فما كان إلا كمرّ الطائر حتّى وافاهما رسول عمر فردّهما إليه؛ فدعا لهما بحسّان، و عمر في جماعة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فقال لحسّان: أنشدهما مما قلت لهما؛ فأنشدهما حتّى فرغ مما قال لهما فوقف. فقال له عمر: أفرغت؟ قال نعم. فقال له: أنشداك في الخلاء و أنشدتهما في الملا. و قال لهما عمر: إن شئتما فأقيما، و إن شئتما فانصرفا. و قال لمن حضره: إنّي قد كنت نهيتكم أن تذكروا مما كان بين المسلمين و المشركين شيئا دفعا للتضاغن عنكم و بثّ القبيح فيما بينكم، فأمّا إذ أبوا فاكتبوه/ و احتفظوا به. فدوّنوا ذلك عندهم. قال خلّاد [٣] بن محمد: فأدركته و اللّه و إنّ الأنصار لتجدّده عندها إذا خافت بلاه.
شعر له في هجو أبي سفيان بن الحارث:
أخبرنا أحمد [٤] بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا عفّان بن مسلم قال حدّثنا عمران بن زيد قال: سمعت أبا إسحاق قال في قصة حسّان و أبي سفيان بن الحارث نحو ما ذكره مما قدّمنا ذكره، و زاد فيه: فقال حسّان فيه:
و إنّ سنام المجد من آل هاشم
بنو بنت [٥] مخزوم، و والدك العبد
- في «الطبقات» (ج ٥ ص ٥٨- ٥٩ طبع أوروبا). على أن السند كله مضطرب و لم نوفق لتحقيقه.
[١]. في «أسد الغابة»: «و قال في ذلك شتم الحيّ و الميت إلخ».
[٢]. الروحاء: موضع بين مكة و المدينة على نحو ثلاثين ميلا من المدينة.
[٣]. لم نجد هذا الاسم في «كتب التراجم» التي بين أيدينا. و قد تقدم في سند هذا الخبر رجلان كل منهما يسمى خالد بن محمد، فلعله أحدهما.
[٤]. في الأصول: «محمد بن عبد العزيز» و ظاهر جدّا أنه أحمد بن عبد العزيز الجوهري الذي يروي عن عمر بن شبة، و يروي عنه كثيرا أبو الفرج.
[٥]. بنت مخزوم: يريد بها فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، و هي أم عبد اللّه (أبى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم) و الزبير و أبي طالب أبناء عبد المطلب. و والدك العبد: يريد به الحارث بن عبد المطلب و هو أبو أبي سفيان.