الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٩١ - سبب نهي النبي عن قتل أبي البختري و قصة قتله
لمّا التقى الناس و دنا بعضهم من بعض [١]، قال أبو جهل: اللّهمّ أقطعنا للرّحم و آتانا بما لا يعرف فأحنه الغداة؛ فكان هو المستفتح على نفسه. ثم إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أخذ حفنة من الحصباء و استقبل بها قريشا، ثم قال:
«شاهت الوجوه» ثم نفحهم [٢] بها، و قال لأصحابه: «شدّوا»؛ فكانت الهزيمة، فقتل اللّه من قتل من صناديد قريش، و أسر من أسر منهم. فلمّا وضع القوم أيديهم/ يأسرون- و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في العريش، و سعد بن معاذ قائم على باب العريش الذي فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم متوشّحا بالسيف في نفر من الأنصار، يحرسون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، يخافون عليه كرّة العدوّ- رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم- فيما ذكر لي- في وجه سعد بن معاذ الكراهة فيما يصنع الناس؛ فقال له: «كأنّك كرهت ما يصنع الناس»! قال: أجل يا رسول اللّه! كانت أوّل وقعة أوقعها اللّه عزّ و جلّ بأهل الشّرك؛ فكان الإثخان في القتل أعجب إليّ من استبقاء الرجال.
نهى النبيّ عن قتل جماعة خرجوا مستكرهين مع قريش:
حدّثنا محمد قال حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال، و حدّثني العبّاس بن عبد/ اللّه بن معبد [٣] عن بعض أهله عن ابن عبّاس:
أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال لأصحابه يومئذ: «إنّي قد عرفت أنّ رجالا من بني هاشم [و غيرهم] [٤] قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا؛ فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله، و من لقي أبا البختريّ [بن هشام] بن الحارث فلا يقتله و من لقي العبّاس بن عبد المطّلب- عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم- فلا يقتله، فإنّما خرج مستكرها». قال: فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة: أ يقتل آباؤنا و أبناؤنا و إخواننا [٥] و عشيرتنا و نترك العبّاس! و اللّه لئن لقيته لألحمنّه [٦] السيف! فبلغت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فجعل يقول لعمر بن الخطّاب: «يا أبا حفص أ ما تسمع إلى قول أبي حذيفة يقول أضرب وجه عمّ رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلّم- بالسيف». فقال: عمر: يا رسول اللّه، دعني فلأضربنّ عنقه بالسيف، فو اللّه لقد نافق. قال/ عمر: و اللّه إنّه لأوّل يوم كناني فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بأبي حفص. قال: فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ و لا أزال منها خائفا إلّا أن تكفّرها عنّي الشهادة؛ فقتل يوم اليمامة [شهيدا] [٧].
سبب نهي النبي عن قتل أبي البختري و قصة قتله:
قال: و إنّما نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عن قتل أبي البختريّ، لأنه كان أكفّ القوم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و هو بمكة، كان لا يؤذيه و لا يبلغه عنه بمكة شيء يكرهه، و كان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم و بني المطّلب. فلقيه المجدّر بن ذياد [٨] البلويّ حليف الأنصار من بني عديّ، فقال المجذّر بن ذياد لأبي البختريّ: إنّ
[١] كذا في م و «السيرة». و في باقي الأصول: «و دنا بعضهم من بعضهم».
[٢] نفحهم: ضربهم.
[٣] كذا في «تاريخ الطبري» (ص ١٣٢٣ من القسم الأوّل طبع أوروبا) و «سيرة ابن هشام» (ص ٤٤٦ طبع أوروبا) و «تهذيب التهذيب» (ج ٥ ص ١٢٠ طبع الهند). و في الأصول: «مصعب» و هو تحريف.
[٤] زيادة عن م «و السيرة» و الطبري.
[٥] في «السيرة»: «و إخوتنا».
[٦] لأجعلن لحمه طعاما للسيف. و في الأصول: «لألجمنه».
[٧] زيادة عن م «و السيرة» و الطبري.
[٨] كذا في الطبري و «سيرة ابن هشام و طبقات ابن سعد» (ج ٣ ص ٩٨ من القسم الثاني طبع أوروبا) و «أسد الغابة» (ج ٤ ص ٣٠٢) و