الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١٨ - وفد على الوليد و تعرض للخبازين فأمر عامل المدينة بجلده
لمّا جاء ابن حزم عمله من قبل سليمان بن عبد الملك على المدينة و الحجّ، جاءه ابن أبي جهم بن [١] حذيفة و حميد بن عبد الرحمن بن عوف و سراقة، فدخلوا عليه/ فقالوا له: إيه يا ابن حزم! ما الذي جاء بك؟ قال:
استعملني و اللّه أمير المؤمنين على المدينة على رغم أنف من رغم أنفه. فقال له ابن أبي جهم: يا ابن حزم، فإنّي أوّل من يرغم من ذلك أنفه. قال فقال ابن حزم: صادق، و اللّه يحبّ الصّادقين. فقال الأحوص:
سليمان إذ ولّاك ربّك حكمنا
و سلطاننا فاحكم إذا قلت و اعدل
يؤمّ حجيج المسلمين ابن فرتني
فهب ذاك حجّا ليس بالمتقبّل
فقال ابن أبي عتيق [٢] للأحوص: الحمد للّه يا أحوص، إذ لم أحجّ ذلك العام بنعمة ربّي و شكره. قال:
الحمد للّه الذي صرف ذلك عنك يا بن أبي بكر الصّدّيق، فلم يضلل دينك، و لم تعنّ [٣] نفسك، و تر ما يغيظك و يغيظ المسلمين معك.
وفد على الوليد و تعرّض للخبازين فأمر عامل المدينة بجلده:
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه عن عمّه موسى بن عبد العزيز قال:
وفد الأحوص على الوليد بن عبد الملك و امتدحه، فأنزله منزلا، و أمر بمطبخة أن يمال عليه؛ و نزل على الوليد بن عبد الملك شعيب بن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي، فكان الأحوص يراود و صفاء للوليد خبّازين عن [٤] أنفسهم و يريدهم أن يفعلوا به. و كان شعيب قد غضب على مولى له و نحاه. فلمّا خاف الأحوص أن يفتضح بمراودته الغلمان، اندسّ لمولى شعيب ذلك فقال: ادخل على أمير المؤمنين فاذكر له أنّ شعيبا أرادك عن نفسك، ففعل المولى. فالتفت الوليد إلى شعيب/ فقال: ما يقول هذا؟ فقال: لكلامه غور [٥] يا أمير المؤمنين، فاشدد به يدك يصدقك. فشدد عليه، فقال: أمرني بذلك الأحوص. فقال قيّم الخبّازين: أصلحك اللّه! إنّ الأحوص يراود الخبّازين عن أنفسهم. فأرسل به الوليد إلى ابن حزم بالمدينة، و أمره أن يجلده مائة، و يصبّ على رأسه زيتا، و يقيمه على البلس [٦]؛ ففعل ذلك به. فقال و هو على البلس أبياته التي يقول فيها:
ما من مصيبة نكبة أمنى [٧] بها
إلّا تشرّفني و ترفع [٨] شأني
[١] كذا في ط، ء، و هو الموافق لما في «تاريخ الطبري»، و هو أبو بكر بن عبد اللّه بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي، كما في «تهذيب التهذيب». و في ب، س، ح: «ابن أبي جهم حذيفة» بدون ذكر «ابن» و هو خطأ. و في م: «ابن حذيفة» بالخاء المعجمة، و هو تصحيف.
[٢] أبو عتيق: لقب محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر.
[٣] كذا في ح، م. و عنّى نفسه و أعناها: أنصبها و كلفها ما يشق عليها. و في سائر الأصول: «و تغر نفسك».
[٤] في جميع الأصول: «على أنفسهم».
[٥] أي في كلامه معنى خفيّ غير واضح.
[٦] البلس (بضمتين): جمع بلاس كسحاب، و هي غرائر كبار من مسوح يجعل فيها التين و يشهر عليها من ينكل به و ينادي عليه. و من دعائهم: «أرانيك اللّه على البلس».
[٧] في ط، ء: «أعيا». و في «ديوان الحماسة»:
ما تعتريني من خطوب ملمة
إلا تشرفني و تعظم شاني
و أوّل الأبيات فيه:
إني على ما قد علمت محسّد
أنمى على البغضاء و الشنآن
[٨] في ط، ء: «و تعظم».