الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٦٩ - إعجاب ابن الأعرابي به و إفحامه من تنقص شعره
حمّ الرّشيد، فصار أبو العتاهية إلى الفضل بن الرّبيع برقعة فيها:
لو علم النّاس كيف أنت لهم
ماتوا إذا ما ألمت أجمعهم
/ خليفة اللّه أنت ترجح بال
نّاس إذا ما وزنت أنت و هم
قد علم النّاس أنّ وجهك يس
تغني [١] إذا ما رآه معدمهم
فأنشدها الفضل بن الربيع الرشيد؛ فأمر بإحضار أبي العتاهية، فما زال يسامره و يحدّثه إلى أن برئ [٢]، و وصل إليه بذلك السبب مال جليل.
إعجاب ابن الأعرابيّ به و إفحامه من تنقص شعره:
قال: و حدّثت أنّ ابن الأعرابيّ حدّث بهذا الحديث؛ فقال له رجل بالمجلس: ما هذا الشعر بمستحق لما قلت. قال: و لم؟ قال: لأنه شعر ضعيف. فقال ابن الأعرابيّ- و كان أحدّ الناس-: الضعيف و اللّه عقلك لا شعر أبي العتاهية، أ لأبي العتاهية تقول: إنّه ضعيف الشعر! فو اللّه ما رأيت شاعرا قطّ أطبع و لا أقدر/ على بيت منه، و ما أحسب مذهبه إلا ضربا من السحر، ثم أنشد له:
قطّعت منك حبائل الآمال
و حططت عن ظهر المطيّ رحالي
و وجدت برد اليأس بين جوانحي
فأرحت من حلّ و من ترحال
يا أيها البطر الذي هو من غد
في قبره متمزّق الأوصال
حذف المنى عنه [٣] المشمّر في الهدى
و أرى مناك طويلة الأذيال
حيل ابن آدم في الأمور كثيرة
و الموت يقطع حيلة المحتال
قست السؤال فكان أعظم قيمة
من كلّ عارفة جرت بسؤال
فإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا
فابذله للمتكرّم المفضال
/ و إذا خشيت تعذّرا في بلدة
فاشدد يديك بعاجل التّرحال
و اصبر على غير الزّمان فإنّما
فرج الشّدائد مثل حلّ عقال
ثم قال للرجل: هل تعرف أحدا يحسن أن يقول مثل هذا الشّعر؟ فقال له الرجل: يا أبا عبد اللّه، جعلني اللّه فداءك! إني لم أردد عليك ما قلت، و لكنّ الزهد مذهب أبي العتاهية، و شعره في المديح ليس كشعره في الزّهد.
فقال: أ فليس الذي يقول في المديح:
[١] كذا في جميع النسخ و «الديوان»، و هي رواية جيدة و فيها المطابقة بين العدم و الغنى. و مع هذا فمن المحتمل أن يكون «يستسقي»؛ قال أبو طالب:
و أبيض يستسقي الغمام بوجهه
ثمال اليتامى عصمة للأرامل
[٢] أهل العالية يقولون: برأت من المرض أبرأ برءا و بروءا. و أهل الحجاز يقولون: برأت من المرض برءا بالفتح. و سائر العرب يقولون: برئت من المرض. و برؤ برءا من باب قرب لغة. (انظر «اللسان» مادة برأ و «المصباح المنير»).
[٣] في ب، س، ح: «عند» و هو تحريف.