الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١٤ - ذمه الخيلاء و شعره في ذلك
قيل إنه كان من أقل الناس معرفة:
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثنا إسماعيل [١] بن عبد اللّه الكوفيّ قال حدّثنا عمروس [٢] صاحب الطعام و كان جار أبي العتاهية، قال:
كان أبو العتاهية من أقلّ الناس معرفة، سمعت بشرا المرّيسيّ يقول له: يا أبا إسحاق، لا تصلّ خلف فلان جارك و إمام مسجدكم؛ فإنه مشبّه [٣]. قال: كلّا! إنّه قرأ بنا البارحة في الصّلاة: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)؛ و إذا هو يظنّ أنّ المشبّه لا يقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).
شكا إليه بكر بن المعتمر ضيق حبسه فكتب إليه شعرا:
أخبرني الحسن قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني أحمد بن يعقوب الهاشميّ قال حدّثني أبو شيخ منصور بن سليمان عن أبيه قال:
كتب بكر بن المعتمر إلى أبي العتاهية يشكو إليه ضيق القيد و غمّ الحبس؛ فكتب إليه أبو العتاهية:
/
هي الأيّام و العبر
و أمر اللّه ينتظر
أ تيأس أن ترى فرجا
فأين اللّه و القدر
ذمّه الخيلاء و شعره في ذلك:
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثنا أحمد بن عبيد بن ناصح قال:
كنت أمشي مع أبي العتاهية يده في يدي و هو متكئ عليّ ينظر إلى الناس يذهبون و يجيئون، فقال: أ ما تراهم هذا يتيه فلا يتكلم، و هذا يتكلم بصلف! ثم قال لي: مرّ بعض أولاد المهلّب بمالك بن دينار و هو يخطر، فقال:
يا بنيّ، لو خفّضت بعض هذه الخيلاء أ لم يكن أحسن بك من هذه الشّهرة التي قد شهرت بها نفسك؟! فقال له الفتى: أ و ما تعرف من أنا! فقال له: بلى! و اللّه أعرفك معرفة جيدة، أوّلك نطفة مذرة [٤]، و آخرك جيفة قذرة، و أنت بين ذينك حامل عذرة. قال: فأرخى الفتى أذنيه و كفّ عما كان يفعل و طأطأ رأسه و مشى مسترسلا. ثم أنشدني أبو العتاهية:
أيا واها لذكر اللّ
ه يا واها له واها
لقد طيّب ذكر اللّ
ه بالتسبيح أفواها
[١] في أ، ء، م: «ابن إسماعيل بن عبد اللّه».
[٢] في ء، م: «عمرو بن صاحب الطعام».
[٣] المشبه: الذي يرى رأي المشبهة، و هم فرقة من الشيعة يقولون: إن معبودهم صورة ذات أعضاء و أبعاض إما روحانية و إما جسمانية، و يجوز عليه الانتقال و النزول و الصعود و الاستقرار و التمكن. و قد حكى أن جماعة منهم أجازوا على ربهم الملامسة و المصافحة، و أن المخلصين من المسلمين يعانقونه في الدنيا و الآخرة إذا بلغوا في الرياضة و الاجتهاد إلى حدّ الإخلاص و الاتحاد المحض.
(انظر كتاب «الملل و النحل» للشهرستانيّ طبع أوروبا ص ٧٥).
[٤] مذرة: قذرة.