الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٦٤ - حاوره بشر بن المعتمر في صنعة الحجامة
و البحث طباعا. و كان يقول بالوعيد و بتحريم المكاسب، و يتشيّع بمذهب الزّيدية [١] البتريّة المبتدعة، لا يتنقّص أحدا و لا يرى مع ذلك الخروج على السّلطان. و كان مجبّرا [٢].
مناظرته لثمامة بن أشرس في العقائد بين يدي المأمون:
قال الصّوليّ: فحدّثني يموت بن المزرّع قال حدّثني الجاحظ قال: قال أبو العتاهية لثمامة بين يدي المأمون- و كان كثيرا ما يعارضه بقوله في الإجبار-: أسألك عن مسألة. فقال له المأمون: عليك بشعرك. فقال: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في مسألته و يأمره بإجابتي! فقال له: أجبه إذا سألك. فقال: أنا أقول: إنّ كلّ ما فعله العباد من خير و شرّ فهو من اللّه، و أنت تأبى ذلك، فمن حرّك يدي هذه؟ و جعل أبو العتاهية يحرّكها. فقال له ثمامة:
حرّكها من أمّه زانية. فقال: شتمني و اللّه يا أمير المؤمنين. فقال ثمامة: ناقض الماصّ بظر أمه و اللّه يا أمير المؤمنين! فضحك المأمون و قال له: أ لم أقل لك أن تشتغل بشعرك و تدع ما ليس من عملك! قال ثمامة: فلقيني بعد ذلك فقال لي: يا أبا معن، أ ما أغناك الجواب عن السّفه؟! فقلت: إنّ من أتمّ الكلام ما قطع الحجة، و عاقب على الإساءة، و شفى من الغيظ، و انتصر من الجاهل.
قال محمد بن يحيى و حدّثني عون بن محمد الكنديّ قال:
سمعت العبّاس بن رستم يقول: كان أبو العتاهية مذبذبا في مذهبه: يعتقد شيئا، فإذا سمع طاعنا عليه ترك اعتقاده إيّاه و أخذ غيره.
اعترض عليه أبو الشمقمق في ملازمة المخنثين فأجابه:
حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني ابن أبي الدّنيا قال حدّثني الحسين بن عبد ربه قال حدّثني عليّ بن عبيدة الرّيحانيّ قال حدّثني أبو الشّمقمق: أنه رأى أبا العتاهية يحمل زاملة المخنّثين، فقلت له [٣]: أمثلك يضع نفسه هذا الموضع مع سنّك و شعرك و قدرك؟! فقال له: أريد أن أتعلّم كيادهم، و أتحفّظ كلامهم.
حاوره بشر بن المعتمر في صنعة الحجامة:
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال:
ذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل أنّ بشر بن المعتمر قال يوما لأبي العتاهية: بلغني أنك لمّا نسكت جلست تحجم اليتامى و الفقراء للسبيل، أ كذلك كان؟ قال نعم. قال له: فما أردت بذلك؟ قال: أردت أن أضع من نفسي حسبما رفعتني الدّنيا، و أضع منها ليسقط عنها الكبر، و أكتسب بما فعلته الثواب، و كنت أحجم اليتامى و الفقراء خاصّة. فقال له بشر:/ دعني من تذليلك نفسك بالحجامة؛ فإنه ليس بحجّة لك أن تؤدّبها و تصلحها بما لعلّك تفسد به أمر غيرك؛ أحبّ أن تخبرني هل كنت تعرف الوقت الذي كان يحتاج فيه من تحجمه إلى إخراج الدّم؟ قال
[١] الزيدية: فرقة نسبت إلى زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، تقصر الإمامة على أولاد فاطمة و لا تجيز الإمامة في غيرهم. و البترية: طائفة منهم أصحاب كثير النوى الأبتر، توقفوا في أمر عثمان أ هو مؤمن أم كافر، و فضلوا عليا على جميع الناس بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم (انظر الكلام على هذه الفرقة ببيان واف في كتاب «الملل و النحل» للشهرستاني طبع أوروبا ص ١١٥- ١٢١).
[٢] مجبرا: يقول بالجبر، و هو عند أهل الكلام إسناد إفعال إلى اللّه سبحانه إيجادا و تأثيرا. و يقول الجبرية إنه لا قدرة للعبد أصلا لا مؤثرة و لا كاسبة، فهو بمنزلة الجمادات فيما يوجد منها.
[٣] كذا في جميع الأصول. و لعله: «فقال له».