الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٨٣ - رجوع بني زهرة
لمجديّ بن عمرو: هل أحسست أحدا؟ قال: ما رأيت أحدا أنكره، إلّا أنّي رأيت راكبين أناخا إلى هذا التلّ ثم استقيا في شنّ لهما ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما ففتّه فإذا فيه النّوى، فقال: هذه و اللّه علائف يثرب! فرجع إلى أصحابه سريعا فصرف [١] وجه عيره عن الطريق [فساحل بها] [٢] و ترك بدرا يسارا، ثم انطلق حتّى أسرع.
رؤيا جهيم بن أبي الصلت:
و أقبلت قريش، فلمّا نزلوا الجحفة [٣] رأى جهيم بن أبي الصّلت بن مخرمة بن عبد المطّلب بن عبد مناف رؤيا، فقال: إنّي رأيت فيما يرى النائم، و إنّي/ لبين النائم و اليقظان إذ نظرت إلى رجل أقبل على فرس و معه بعير له ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة، و شيبة بن ربيعة، و أبو الحكم بن هشام، و أميّة بن خلف، و فلان و فلان- فعدّد رجالا ممن قتل يومئذ من أشراف قريش- و رأيته ضرب في لبّة [٤] بعيره ثم أرسله في العسكر، فما بقي خباء من أخبية العسكر إلّا أصابه نضح من دمه. قال: فبلغت أبا جهل فقال: و هذا أيضا نبيّ آخر من بني عبد المطّلب! سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا.
نصح أبو سفيان إلى قريش أن يرجعوا فأبى أبو جهل:
و لمّا رأى أبو سفيان أنّه قد أحرز عيره، أرسل إلى قريش: إنّكم إنّما خرجتم لتمنعوا عيركم و رحالكم [٥] و أموالكم فقد نجّاها اللّه فارجعوا. فقال أبو جهل: و اللّه لا نرجع حتّى نرد بدرا- و كان بدر موسما من مواسم العرب تجتمع به، لهم بها سوق كلّ عام- فنقيم عليه ثلاثا، و ننحر الجزر و نطعم الطعام و نسقي الخمور، و تعزف علينا القيان، و تسمع بنا العرب [بمسيرنا و جمعنا] [٦]، فلا يزالون يهابوننا أبدا، فامضوا.
رجوع بني زهرة:
فقال الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثّقفيّ، و كان حليفا لبني زهرة، و هم بالجحفة: يا بني زهرة قد نجّى اللّه لكم عيركم و خلّص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، و إنّما نفرتم لتمنعوه و ماله، فاجعلوا بي جبنها [٧] و ارجعوا؛ فإنّه لا حاجة بكم في أن تخرجوا في غير ضيعة لما يقول هذا (يعني أبا جهل)؛ فلم يشهدها زهريّ، و كان فيهم مطاعا. و لم يكن بقي من قريش بطن إلّا نفر منهم ناس، إلّا بني عديّ بن كعب لم يخرج منهم رجل واحد.
فرجعت بنو زهرة مع الأخنس بن شريق، فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد.
[١] في الطبري و «السيرة»: «فضرب».
[٢] زيادة عن «السيرة». و ساحل بها: اتجه بها نحو الساحل.
[٣] الجحفة (بالضم): ميقات أهل الشام، و كانت قرية جامعة، على اثنين و ثمانين ميلا من مكة، و كانت تسمى مهيعة فنزل بها بنو عبيل و هم إخوة عاد، و كان أخرجهم العماليق من يثرب، فجاءهم سيل الجحاف فأجحفهم؛ فسميت الجحفة.
[٤] اللبة: المنحر و موضع القلادة من الصدر كاللبب.
[٥] في «السيرة لابن هشام»: «رجالكم» بالجيم المعجمة.
[٦] زيادة عن «السيرة».
[٧] كذا في «السيرة لابن هشام» (ج ١ ص ٤٣٨) و «تاريخ الطبري» (ص ١٣٠٧ من القسم الأوّل). و في الأصول: «فاجعلوني جنبها» و هو تحريف.