الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٠٥ - مدح الرشيد و الفضل فأجازاه
ابن الفاعلة! أتعرّض بي في مثل ذلك الموضع! و حبسه في داره. فدسّ أبو العتاهية إلى زبيدة بنت جعفر، و كانت توجب [١] له [حفّه] [٢]، هذه الأبيات:
حتّى متى ذو التّيه في تيهه
أصلحه اللّه و عافاه
يتيه أهل التّيه من جهلهم
و هم يموتون و إن تاهوا
من طلب العزّ ليبقى به
فإنّ عزّ المرء تقواه
لم يعتصم باللّه من خلقه
من ليس يرجوه و يخشاه
و كتب إليها بحالة و ضيق حبسه، و كانت مائلة إليه، فرثت [٣] له و أخبرت الرشيد بأمره و كلّمته فيه؛ فأحضره و كساه و وصله، و لم يرض عن القاسم حتى برّ أبا العتاهية و أدناه و اعتذر إليه.
مدح الرشيد و الفضل فأجازاه:
و نسخت من كتاب هارون بن عليّ: قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني محمد بن سهل عن خالد بن أبي الأزهر قال:
بعث الرشيد بالحرشيّ [٤] إلى ناحية الموصل، فجبى له منها مالا عظيما من بقايا الخراج، فوافى به باب الرشيد، فأمر بصرف المال أجمع إلى بعض جواريه، فاستعظم الناس ذلك و تحدّثوا به؛ فرأيت أبا العتاهية و قد أخذه شبه الجنون، فقلت له: مالك ويحك؟! فقال لي: سبحان اللّه! أ يدفع هذا المال الجليل إلى امرأة، و لا تتعلّق كفّي بشيء منه! ثم دخل إلى الرشيد بعد أيّام فأنشده:
اللّه هوّن عندك الدن
يا و بغّضها إليكا
فأبيت إلّا أن تص
غّر كلّ شيء في يديكا
ما هانت الدّنيا على
أحدكما هانت عليكا
فقال له الفضل بن الربيع: يا أمير المؤمنين، ما مدحت الخلفاء بأصدق من هذا المدح. فقال: يا فضل، أعطه عشرين ألف درهم. فغدا أبو العتاهية على الفضل فأنشده:
إذا ما كنت متّخذا خليلا
فمثل الفضل فاتّخذ الخليلا
يرى الشّكر القليل له عظيما
و يعطي من مواهبه الجزيلا/
أراني حيثما يمّمت طرفي
وجدت على مكارمه دليلا
فقال له الفضل: و اللّه لو لا أنّ أساوي أمير المؤمنين لأعطيتك مثلها، و لكن سأوصلها إليك في دفعات، ثم أعطاه ما أمر له به الرشيد، و زاد له خمسة آلاف درهم من عنده.
[١] كذا في ح و هو المناسب؛ يقال: أوجب لفلان حقه إذا راعاه، و في سائر النسخ: «توجه له» و ليس لها معنى.
[٢] زيادة يقتضيها السياق.
[٣] كذا في ب، س. و في سائر النسخ: «فرثت له».
[٤] في الأصول: «المجرشي». و لم نجد هذا الاسم. و لعله محرف عما أثبتناه، و هو سعيد الحرشي الذي كان معاصرا للرشيد و كان يقوم له بأعمال هامة.