الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١٥ - سأل أعرابيا عن معاشه ثم قال شعرا
فيا أنتن من حشّ [١]
على حشّ إذا تاها
أرى قوما يتيهون
حشوشا [٢] رزقوا جاها
مدح إسماعيل بن محمد شعره و استنشده إياه:
حدّثني اليزيديّ عن عمه إسماعيل بن محمد بن أبي محمد قال.
قلت لأبي العتاهية و قد جاءنا:/ يا أبا إسحاق، شعرك كلّه حسن عجيب، و لقد مرّت بي منذ أيام أبيات لك استحسنتها جدّا؛ و ذلك أنها مقلوبة أيضا، فأواخرها كأنها رأسها، لو كتبها الإنسان إلى صديق له كتابا و اللّه لقد كان حسنا أرفع ما يكون شعرا. قال: و ما هي؟ قلت:
المرء في تأخير مدّته
كالثوب يخلق بعبد جدّته
و حياته نفس يعدّ له
و وفاته استكمال عدّته
و مصيره من بعد مدّته
لبلى [٣] و ذا من بعد وحدته
من مات مال ذوو مودّته
عنه و حالوا عن مودّته
أزف الرحيل و نحن في لعب
ما نستعدّ له بعدّته
و لقلّما تبقي الخطوب على
أشر الشّباب و حرّ وقدته
عجبا لمنتبه يضيّع ما
يحتاج فيه ليوم رقدته
شبه أبو نواس شعرا له بشعره:
قال اليزيديّ: قال عمّي و حدّثني الحسين بن الضحّاك قال:
كنت مع أبي نواس فأنشدني أبياته التي يقول فيها:
يا بني النقص و الغير
و بني الضعف و الخور
فلمّا فرغ منها قال لي: يا أبا عليّ، و اللّه لكأنها من كلام صاحبك (يعني أبا العتاهية).
سأل أعرابيا عن معاشه ثم قال شعرا:
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني حذيفة بن محمد الطائيّ قال حدّثني أبو دلف القاسم بن عيسى العجليّ قال:
/ حججت فرأيت أبا العتاهية واقفا على أعرابيّ في ظل ميل [٤] و عليه شملة [٥] إذا غطّى بها رأسه بدت
[١] الحش (بتثليث أوّله): النخل المجتمع، و يكنى به عن بيت الخلاء لأنه كان من عادتهم التغوّط في البساتين، و الجمع: حشوش.
و في «ديوان أبي العتاهية»: «... من زبل على زبل ...».
[٢] في «الديوان»: «بهاما».
[٣] في ب، س و «ديوانه» ص ٥٦ طبع بيروت هكذا: «بليا». و في سائر الأصول هكذا: «باليا». و قد رجحنا ما أثبتناه.
[٤] الميل: منار يبنى للمسافر في أنشاز الأرض و أشرافها.
[٥] الشملة: كساء مخمل دون القطيفة.