الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٤٦ - استنشده هشام بن عبد الملك فافتخر و رمى به في بركة ماء و نفاه إلى الحجاز
و لمّا وليت الملك ضاربت دونه
و أسندته لا تأتلي خير مسند
جعلت هشاما و الوليد ذخيرة
وليّين للعهد الوثيق المؤكّد
قال: فنظر إليهما عبد الملك متبسّما، و التفت إلى سليمان فقال: أخرجك إسماعيل من هذا الأمر. فقطب سليمان و نظر إلى إسماعيل نظر مغضب. فقال إسماعيل: يا أمير المؤمنين، إنما وزن الشعر أخرجه من البيت الأوّل، و قد قلت بعده:
و أمضيت عزما في سليمان راشدا
و من يعتصم باللّه مثلك يرشد
فأمر له بألفي درهم صلة، و زاد في عطائه، و فرض له، و قال لولده: أعطوه؛ فأعطوه ثلاثة آلاف درهم.
استنشده هشام بن عبد الملك فافتخر و رمى به في بركة ماء و نفاه إلى الحجاز:
أخبرني عمّي قال حدّثنا أحمد بن أبي خيثمة قال ذكر ابن النّطّاح عن أبي اليقظان:
أنّ إسماعيل بن يسار دخل على هشام بن عبد الملك في خلافته و هو بالرّصافة جالس على بركة له في قصره، فاستنشده و هو يرى أنه ينشده مديحا له؛ فأنشده قصيدته التي يفتخر فيها بالعجم:
يا ربع رامة [١] بالعلياء من ريم [٢]
هل ترجعنّ إذا حيّيت تسليمي
/ ما بال حيّ غدت بزل المطيّ بهم
تخدي لغربتهم سيرا بتقحيم [٣]
كأنّني يوم ساروا شارب سلبت
فؤاده قهوة من خمر داروم [٤]
حتّى انتهى إلى قوله:
إنّي و جدّك ما عودي بذي خور
عند الحفاظ و لا حوضي بمهدوم
أصلي كريم و مجدي لا يقاس به
و لي لسان كحدّ السّيف مسموم [٥]
أحمي به مجد أقوام ذوي حسب
من كلّ قرم بتاج الملك معموم
جحاجح [٦] سادة بلج مرازبة
جرد عتاق مساميح مطاعيم
[١] رامة: منزل بينه و بين الرمادة ليلة في طريق البصرة إلى مكة. و بين رامة و بين البصرة اثنتا عشرة مرحلة. و قيل: رامة: هضبة أو جبل ببني دارم.
[٢] رئم (بكسر أوّله و همز ثانيه و سكونه و قيل بالياء غير مهموز): واد لمزينة قرب المدينة، و قيل: على ثلاثين ميلا من المدينة، و قيل:
على أربعة برد من المدينة أو ثلاثة. (و البريد فرسخان أو أربعة فراسخ، و الفرسخ: ثلاثة أميال).
[٣] بزل (ككتب و يسكن): جمع بزول، و البزول: الناقة في تاسع سنيها و ليس بعده سن تسمى. و خدي الفرس و البعير: أسرع و زجّ بقوائمه. و التقحيم: طيّ المنازل و عدم النزول بها؛ يقال: قحم المنازل إذا طواها، و قحّمت الإبل راكبيها: جعلتهم يطوون المنازل منزلا منزلا من غير أن ينزلوا بها.
[٤] داروم: قلعة بعد غزّة للقاصد إلى مصر، و الواقف فيها يرى البحر إلا أن بينها و بين البحر مقدار فرسخ، خربها صلاح الدين لما ملك الساحل في سنة ٥٨٤ ه تنسب إليها الخمر.
[٥] الظاهر أن هذه الكلمة مرفوعة، و بذلك يكون في الشعر إقواء. على أنه يمكن أن يكون أصل الكلام: «إلى لسان ...» بدل «و لي لسان ...».
[٦] جحاجح: جمع جحجح، و الجحجح و الجحجاح: السيد الكريم. و المرازبة: جمع مرزبان، و هو رئيس الفرس.