الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦٩ - إيراد ما تقدم برواية أخرى مفصلة
أبلغ بنيّ بأنّي قد تركت لهم
من خير ما ترك الآباء للولد
الدّار واسطة و النخل شارعة
و البيض يرفلن في القسّيّ [١] كالبرد
قال: فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «يا حسان نفست [٢] عليّ إسلام قومي» و أغضبه كلامه. فغدا صفوان بن المعطّل السّلميّ على حسّان فضربه بالسيف. و قال صفوان:
تلقّ ذباب السّيف عنّي فإنني
غلام إذا هو جيت لست بشاعر
فوثب قومه على صفوان فحبسوه، ثم جاءوا سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي حزيمة [٣] بن ثعلبة بن طريف [٤] بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، و هو مقبل على ناضحه بين القربتين، فذكروا له ما فعل حسّان و ما فعلوا؛ فقال: أ شاورتم في ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم؟ قالوا لا. فقعد إلى الأرض. و قال: و انقطاع ظهراه! أ تأخذون بأيديكم و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بين ظهرانيكم! و دعا بصفوان فأتي به، فكساه و خلّاه. فجاء إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم؛ فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «من كساك كساه اللّه». و قال حسّان لأصحابه: احملوني إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم/ أترضّاه ففعلوا؛ فأعرض عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فردّوه. ثم سألهم فحملوه إليه الثانية؛ فأعرض عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فانصرفوا به. ثم قال لهم: عودوا بي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم؛ فقالوا له: قد جئنا بك مرّتين كلّ ذلك يعرض فلا نبرمه [٥] بك. فقال: احملوني إليه هذه المرّة وحدها، ففعلوا. فقال: يا رسول اللّه، بأبي أنت و أمّي! احفظ قولي:
هجوت محمدا فأجبت عنه
و عند اللّه في ذاك الجزاء
فإنّ أبى و والده و عرضي
لعرض محمد منكم وقاء
/ فرضي عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و وهب له سيرين [٦] أخت مارية أمّ ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إبراهيم. هذه رواية مصعب [٧]. و أمّا الزّهريّ فإنّه ذكر أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لمّا بلغه ضرب السّلميّ حسّان قال لهم: «خذوه فإن هلك حسّان فاقتلوه». فأخذوه فأسروه و أوثقوه؛ فبلغ ذلك سعد بن عبادة، فخرج في قومه إليهم فقال: أرسلوا الرجل، فأبوا عليه؛ فقال: أ عمدتم إلى قوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم تؤذونهم و تشتمونهم و قد زعمتم أنّكم نصرتموهم! أرسلوا الرجل؛ فأبوا عليه حتى كاد يكون قتال، ثم أرسلوه. فخرج به سعد إلى أهله فكساه حلّة، ثم أرسله سعد إلى أهله. فبلغنا أنّ
[١] القسي: ثياب من كتان مخلوط بحرير يؤتى بها من مصر؛ نسبت إلى قرية على ساحل البحر قريبا من تنّيس يقال لها القس (بفتح القاف و كسرها).
[٢] نفس عليه الشيء: حسده عليه و لم يره أهلا له.
[٣] كذا في ح، و هو الموافق لما في «القاموس» (مادة حزم) و «طبقات ابن سعد» (ج ٥ قسم ٢ ص ١١٥). و في سائر الأصول:
«خزيمة» بالخاء المعجمة، و هو تصحيف.
[٤] كذا في «الطبقات». و في الأصول: «ظريف» بالظاء المعجمة.
[٥] أبرمه هنا: أضجره و أمله.
[٦] كذا في الأصول و «سيرة ابن هشام» (ص ٧٣٩ طبع أوروبا) و «الطبري» (ص ١٥٢٨، ١٥٩١، ١٧٨١ قسم أوّل) و «الإصابة» لابن حجر العسقلاني (ج ٨ ص ١١٨) و «التنبيه» للبكري (ص ٧٦ طبع دار الكتب المصرية)، و ضبطها الزرقاني أيضا في «شرحه على المواهب» (ج ٣ ص ٣٢٥ طبع بولاق) بقوله: «سيرين بكسر السين المهملة و سكون المثناة التحتية و كسر الراء». و في «تاريخ ابن الأثير» (ج ٢ ص ١٥٢) و «معجم البلدان» لياقوت (ج ١ ص ٧٨٤): «شيرين بالشين المعجمة.
[٧] في الأصول: «أبي مصعب» و هو تحريف.