الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٣٢ - رأي الفرزدق و جرير في نسيبه
يكذّب نفسه على كبر السّنّ، فليعفني أمير المؤمنين؛ قال: فأعفاه. و قال كثيّر: إنّي أكره أن أعرّض نفسي لشعراء أهل العراق إن هجوت بني المهلّب. و أمّا الأحوص فإنّه هجاهم. ثم بعث به يزيد بن عبد الملك إلى الجرّاح بن عبد اللّه الحكميّ و هو بأذربيجان، و قد كان بلغ الجرّاح هجاء الأحوص بني المهلّب، فبعث إليه بزقّ من خمر فأدخل منزل الأحوص، ثم بعث إليه خيلا فدخلت منزله فصبّوا الخمر على رأسه ثم أخرجوه على رءوس الناس فأتوا به الجرّاح، فأمر بحلق رأسه و لحيته، و ضربه الحدّ بين أوجه الرجال، و هو يقول: ليس هكذا تضرب الحدود؛ فجعل الجرّاح يقول: أجل! و لكن لما تعلم. ثم كتب إلى يزيد بن عبد الملك يعتذر فأغضى له عليها.
رأي أبي الفرج فيه و استدلاله على هذا الرأي:
قال أبو الفرج الأصبهانيّ: و ليس ما جرى من ذكر الأحوص إرادة للغضّ منه في شعره، و لكنّا ذكرنا من كلّ ما يؤثر عنه ما تعرف به حاله من تقدّم و تأخّر، و فضيلة و نقص؛ فأمّا تفضيله و تقدّمه في الشعر فمتعالم مشهور، و شعره ينبئ عن نفسه و يدلّ على فضله فيه و تقدّمه و حسن رونقه و تهدّبه و صفائه.
رأي الفرزدق و جرير في نسيبه:
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء و الطّوسيّ قالا حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا عبد الملك بن عبد العزيز [١] قال حدّثني عبد اللّه بن مسلم بن جندب الهذليّ قال حدّثنا شيخ لنا من هذيل كان خالا للفرزدق من بعض أطرافه قال:
سمعت بالفرزدق و جرير على باب الحجّاج، فقلت: لو تعرّضت ابن أختنا! فامتطيت إليه بعيرا، حتى وجدتهما قبل أن يخلصا [٢]، و لكلّ واحد منهما شيعة؛ فكنت/ في شيعة الفرزدق؛ فقام الآذن يوما فقال: أين جرير؟ فقال جرير: هذا أبو فراس؛ فأظهرت شيعته لومه و أسرّته. فقال الآذن: أين الفرزدق؟ فقام فدخل. فقالوا لجرير: أ تناوئه و تهاجيه و تشاخصه، ثم تبدّى عليه فتأبى و تبدّيه؟! قضيت له على نفسك! فقال لهم: إنّه نزر القول، و لم ينشب [٣] أن ينفد ما عنده و ما قال فيه فيفاخره و يرفع نفسه عليه؛ فما جئت به بعد حمدت عليه و استحسن. فقال قائلهم: لقد نظرت نظرا بعيدا. قال: فما نشبوا أن خرج الآذن فصاح: أين جرير؟ فقام جرير فدخل. قال:
فدخلت، فإذا ما مدحه به الفرزدق قد نفد، و إذا هو يقول:
أين الذين بهم تسامي دارما [٤]
أم من إلى سلفي [٥] طهيّة تجعل
قال: و عمامته على رأسه مثل المنسف [٦]، فصحت من ورائه:
[١] كذا في ء، ط، م، و هو عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن أبي سلمة الماجشون. و في سائر الأصول: «قال حدّثنا عبد العزيز» و فيه حذف؛ لأن الزبير بن بكار روى عن عبد الملك و لم يرو عن أبيه.
[٢] يخلصا: يصلا؛ يقال: خلص فلان إلى كذا إذا وصل إليه.
[٣] لم ينشب: لم يلبث. و هذا اللفظ عند العرب عبارة عن السرعة. و أصله من نشب العظم في الخلق و الصيد في الحبالة. أي لم يعلق به شيء يمنعه من ذلك.
[٤] دارم: اسم قبيلة.
[٥] في ب، س: «سفلى طهية» و هو تحريف. و التصويب عن بقية الأصول و النقائض (ص ١٨٣). و طهية: بنت عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم، كانت عند مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد، فولدت له أبا سود و عوفا و جشيشا، فغلبت على بنيها فنسبوا إليها.
[٦] المنسف: الغربال الكبير.