الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٨٤ - أرجوزته المشهورة و قوة شعرها
فقال الجاحظ للمنشد: قف، ثم قال: انظروا إلى قوله:
روائح الجنّة في الشّباب
فإنّ له معنى كمعنى الطّرب الذي لا يقدر على معرفته إلا القلوب، و تعجز عن ترجمته الألسنة إلا بعد التطويل و إدامة التفكير. و خير المعاني ما كان القلب إلى قبوله أسرع من اللسان إلى وصفه. و هذه الأرجوزة من بدائع أبي العتاهية، و يقال: إن [له] [١] فيها أربعة آلاف مثل. منها قوله:
حسبك ممّا تبتغيه القوت
ما أكثر القوت لمن يموت
الفقر فيما جاوز الكفافا
من اتّقى اللّه رجا و خافا
هي المقادير فلمني أو فذر
إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر
لكلّ ما يؤذي و إن قلّ ألم
ما أطول اللّيل على من لم ينم
ما انتفع المرء بمثل عقله
و خير ذخر المرء حسن فعله
إنّ الفساد ضدّه الصّلاح
و ربّ جدّ جرّه المزاح
من جعل النّمّام عينا هلكا
مبلغك الشرّ كباغيه لكا
إنّ الشّباب و الفراغ و الجده
مفسدة للمرء أيّ مفسدة
/ يغنيك عن كلّ قبيح تركه
يرتهن الرأي الأصيل شكّه
ما عيش من آفته بقاؤه
نغّص عيشا كلّه فناؤه [٢]
يا ربّ من أسخطنا بجهده
قد سرّنا اللّه بغير حمده
ما تطلع الشمس و لا تغيب
إلّا لأمر شأنه عجيب
لكلّ شيء معدن و جوهر
و أوسط و أصغر و أكبر
/ من لك بالمحض و كلّ ممتزج
وساوس في الصّدر منه تعتلج
و كلّ شيء لاحق بجوهره
أصغره متّصل بأكبره
ما زالت الدنيا لنا دار أذى
ممزوجة الصّفو بألوان القذى
الخير و الشرّ بها أزواج
لذا نتاج و لذا نتاج
من لك بالمحض و ليس محض
يخبث بعض و يطيب بعض
لكلّ إنسان طبيعتان
خير و شرّ و هما ضدّان
إنّك لو تستنشق الشّحيحا
وجدته أنتن شيء ريحا
و الخير و الشرّ إذا ما عدّا
بينهما بون بعيد جدّا
[١] الزيادة عن أ، م.
[٢] في «ديوانه» ص ٣٤٨: «... عيشا طيّبا فناؤه».