الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦٦ - أنشد شعرا بلغ النبي فآلمه فضربه ابن المعطل و عوضه النبي
إن تغدروا فالغدر منكم شيمة
و الغدر ينبت في أصول السّخبر [١]
فقال الحارث: اكففه عنّي يا محمد، و أؤدّي إليك دية الحفارة [٢]؛ فأدّى إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم سبعين عشراء [٣]، و كذلك دية الخفارة، و قال: يا محمد، أنا عائذ بك من شرّه، فلو مزج البحر بشعره مزجه.
أنشد شعرا بلغ النبي فآلمه فضربه ابن المعطل و عوّضه النبي:
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إبراهيم بن المنذر قال حدّثنا عبد اللّه بن وهب قال أخبرنا العطّاف بن خالد قال:
كان حسّان بن ثابت يجلس إلى أطمه فارع، و يجلس معه أصحاب له و يضع لهم بساطا يجلسون عليه؛ فقال يوما، و هو يرى كثرة من يأتي إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم من العرب فيسلمون:
/
أرى الجلابيب [٤] قد عزّوا و قد كثروا
و ابن الفريعة أمسى بيضة [٥] البلد
فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فقال: «من لي بأصحاب البساط بفارع؟». فقال صفوان بن المعطّل: أنا لك يا رسول اللّه منهم؛ فخرج إليهم فاخترط سيفه، فلمّا رأوه عرفوا الشرّ في وجهه ففرّوا و تبدّدوا، و أدرك حسّان داخلا بيته، فضربه و فلق أليته. قال: فبلغنا أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم عوّضه و أعطاه حائطا [٦]، فباعه من معاوية بعد ذلك بمال كثير، فبناه معاوية قصرا، و هو الذي يقال له: «قصر الدّارين». و قد قيل: إنّ صفوان بن المعطّل إنما ضرب حسّان لما قاله فيه و في عائشة زوج النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم من الإفك [٧]؛ لأن صفوان/ هو الذي رمى أهل الإفك عائشة به.
[١] السخبر: شجر إذا طال تدلت رءوسه و انحنت، و قيل: هو شجر من شجر الثمام له قضب مجتمعة و جرثومة. و في «اللسان» يقال:
ركب فلان السخبر إذا غدر، و ذكر البيت.
[٢] الخفارة (مثلثة الخاء): الذمام.
[٣] العشراء من النوق: التي مضى على حملها عشرة أشهر، و قيل: ثمانية.
[٤] كذا في أكثر الأصول، و هو الموافق لما في «الطبري» (ص ١٥٢٦ من القسم الأوّل) و «اللسان» مادة «بيض» و «التنبيه»: (ص ٧٦ طبع دار الكتب المصرية) و «الأضداد في اللغة» (ص ١١٨ طبع بيروت). و قال البكري في «التنبيه»: «و كان المنافقون يسمون المهاجرين رضي اللّه عنهم الجلابيب». و في «اللسان»: «أراد بالجلابيب سفلة الناس و غثراءهم». و في س و «تاج العروس شرح القاموس» (ج ٥ ص ١٢) و «الديوان»: «الخلابيس». و قال في «الشرح»: الخلابيس: الأخلاط من كل وجه». (انظر «ديوانه» المطبوع في ليدن سنة ١٩١٠ ص ٩١).
[٥] العرب تقول للرجل: هو بيضة البلد، يمدحونه بذلك، و تقول للآخر: هو بيضة البلد، يذمونه بذلك. و الممدوح يراد به البيضة التي يحضنها الظليم و يقيها؛ لأن فيها فرخه. و المذموم يراد به البيضة المنبوذة بالعراء المذرة التي لا حافظ لها و لا يدري لها أب و هي تريكة الظليم. قال الرمّاني: إذا كانت النسبة إلى مثل المدينة و مكة و البصرة فبيضة البلد مدح، و إذا نسب إلى البلاد التي أهلها أهل ضعة فبيضة البلد ذم.
[٦] الحائط: البستان. و في كتاب «التنبيه» للبكري: فأعطاه النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم عوضا: بيرحاء (و هي قصر بني جديلة اليوم بالمدينة)، و سيرين (أمة قبطية و هي أم عبد الرحمن بن حسان رضي اللّه عنهما). و سيذكر المؤلف هذه الرواية في ص ١٦٢ من هذا الجزء.
[٧] يعني أبو الفرج بالإفك هنا الحديث الذي تخرّصه قوم على عائشة رضي اللّه عنها، و كان ذلك عقب غزوة غزاها النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم كان يستصحب فيها عائشة؛ فحدث أنه أمر بالرحيل، و كانت عائشة منطلقة لبعض شأنها، فأمر بهودجها فحمل على بعيره، و ظن القوم أنها فيها و لم تكن هناك. فلما رجعت عائشة إلى الهودج ألفت النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و أصحابه قد ارتحلوا؛ فمكثت مكانها حتى عثر بها صفوان بن المعطل؛ فرجعها إلى المدينة؛ فأرجف بها أناس و رموها بالإفك، و كان منهم حسان بن ثابت رضي اللّه عنه.